قد تكون الكتابة هي  الملجأ والمتنفّس الرحب من هذا الاختناق الذي يكاد أن يتلبّس بنا ، جرّاء دُّوار هذا العالم..

قد تكون الكتابة وسيلة فاعلة، للتعرّف على ذواتنا والوعي بها ، وإعاة التعرّف -داخليا- على الأشياء من حولنا، وإعادة التعريف-خارجياً- لتلك الأشياء، كأثر وناتج لتلك الحالة من الكتابة.
أعلم من نفسي بحثها عن الإثارة والمغامرة والتجدد، إذ تكره الروتين والإلتزام اليومي بأمرٍ ما، فطبيعتي انفعالية بدرجة قصوى، فقد تداهمني فكرة تسيطر على يومي، فتشّل حركتي عن أي أمر آخر ..
كم هو أمر حزين بالنسبة لي! 
والحزن هنا  ليس حزناً سالباً، بقدر ما هو حزن للروتين الذي أسعى إلى ترويضه في يومي، وهو ألاّ يمضي اليوم دون أن أقرأ أو أكتب ولو شيئاً يسيراً .. 
أستحضر جيداً ما قاله لي صديقي د.محمد طيب والذي أطلق الشرارة بداخلي، شرارة الحنين والحلم والرجاء تجاه هذا الروتين :" إني حريص ألاّ ينقضي يومي دون أن أكتب".
بما تحمله هذه العبارات من أمل ورجاء وحلم، ونية فاعلة، وإحساس عميق ملتهب تجاه الكتابة والتدوين، بالمناسبة صديقي يفرّق بين الكتابة والتدوين؛ إذ يرى التدوين أعمّ من الكتابة، فالكتابة حالة ذات خصوصية قصوى، حالة كشف، وتأمل، واستنطاق للمجهول والكامن،  جعلتني أنفعل داخلياً؛ انفعالاً صاحبه بكاء وجداني.
Writer-Dream-580x409
كم سأوهب من الحياة حين أحافظ على فضيلة القراءة والكتابة في يومي؟ أليست الكتابة صلاة، تبقي على الاتصال مع الذات والحياة والعالم ؟
إذاً هذا أوان الاعتراف بما قالته الأستاذة سلمى العمر : " أيقنت أنّ عدم القراءة والكتابة موتٌ مصّغر "
إنه التسليم لجلال وجمال الكتابة والقراءة، وما تصنعه بالإنسان وللإنسان،و لا أنساها لأدونيس حين قال : كلّما ذهبّته الحكمة؛ فضحته التجربة، وأنا أقول : كلّما هذّبته الكتابة؛ نطق بالحكمة.
إذاً أين التعويذة التي تجعلني لا أقايض بالقراءة والكتابة ؟
ما هو الدافع الذي أتمّسك به لهذا الفعل ؟ ماذا تمثّل لي القراءة والكتابة حتى ينتابني هذا الحنين والحزن ؟ 
لم أنسى أنني قلت ذات مرة : إنّ  التجليّ الخاص بي في الحياة منوط بالكتب.  ولم أتناسى أنني قلت لنفسي مسلياً : ذاهباً إلى الكتابة، أتوضأ من التجربة، لأصيب خشوع القلم .
ولم أقض الطرف عن هذه الكتب التي تذكرني بالخلاص : الزِّن في فن الكتابة ، لياقات الكاتب ، اليد واللسان ، لماذا نكتب؟ ، طقس : 30 نموذج لممكنات الفعل القرائي ،المكتبة في الليل ،فنّ القراءة، الكتب في حياتي، متعة القراءة، جنوني مذهبي في القراءة، كيمياء القراءة، اقرأ لساجد العبدلي.
-أتكفي هذه التعويذات لأستعين بها لفك شيفرة هذا الاحتباس ؟
-يبدوا أن عليّ أن أضيف المزيد لمكتبتي، علّها تنمو بنمويّ!
أرجو أن تكون هذه هي الفاتحة؛ الفاتحة التي تليها سور الفتوح والدفع والانهماك والاستغراق في هذا الفعل الجليل/الجميل .
-أين ذهب الفتى ؟
-لقد ذهب مع الكتابة!