بقدر الخصوصية التي تسفر عنها ممارسات الفعل القرائي تبدو الأسئلة من قبيل ما سيأتي أسئلة موغلة في التجاوز والانتهاك.
ما هي القراءة ؟
من هو القارئ ؟
منذ متى بدأت القراءة ؟
ما أكثر الكتب تأثيرًا فيك ؟
ما هو كتابك المفضل ؟
لماذا نقرأ ؟
كيف نقرأ ؟


على اعتبار أنّ ماهية القراءة هي باكورة تلك الأسئلة وأكثرها التباسًا أيضًا. فلن نجد إجابة جاهزة نستدعيها في حضرة هذا السؤال. لن يجد القارئ على مرّ تجاربه القرائية إجابة واحدة يستطيع إسقاطها على كل المراحل التي مرت بها علاقته بالقراءة.
فالبعض إذ يذكر تجربته الأولى في حمل مجلات باسم وماجد وميكي وغيرها منتشيًا بقدرته على فك رموز النصوص الموجودة فيها وفهمها ً وتعبيره عن انتصاره بقراءتها بصوتٍ عالٍ ، لا نستطيع إنكار أنه كان قارئًا.
وإن أدرك في مرحلة قادمة عبثية الحالة التي عاشها فيما سبق في حين أنه يقف على تجربته في قراءة الروايات الموجودة على المنتديات حين كانت تلك الصيحة في ذروتها يتغيّر مفهوم القراءة لديه ليجد أنها وسيلته للوقوف على الحكايات المضمرة في نفوس أصحابها والتي قد تمسّه في واقعه أو شخصه ولم تكن تتأتى له في جلسة من جلسات الجدات ولا مآثر النوادر والمرويات.
فهل نستطيع الاعتداد بتلك التجربة كبداية حقيقية في القراءة ؟


قد يعوّل عليها البعض ولا يفعل ذلك البعض الآخر حين يتجاوز تلك المرحلة فيسخط على كل الأيّام التي قضاها بعيدًا عن كتابٍ يمسكه بيديه ويخلق معه طقوسه الخاصة ، معلنًا أنه غدا قارئًا منذ دلوفه الأول إلى المكتبة لاقتناء كتاب !
وقد نجد من يتخيّر تجربة تواجده الأولى في نادي قراءة بداية مميزة للتعاطي مع الفعل القرائي حيث وجد من يشاركه الاهتمام ويوقفه على تقنياتٍ قرائية لم يعتد استخدامها ويفتح له آفاقًا على تعدد القراءات الممكنة للنص الواحد وتأويلاته.

 

سؤالٌ آخرٌ مربك حين يُسأل قارئ ما ، ما هي أكثر الكتب تأثيرًا فيك ؟
ليجد أن حيلته الوحيدة هي استعراض كلّ تجاربه القرائية بتأثيراتها وامتداداتها ، فإن كان لكلِ مرحلة تعاطيها الخاص مع الفعل القرائي ؟ ما هي أكثر الكتب تأُثيرًا فيه ؟
التي هذّبت لغته ؟ أو التي أحالته إلى مجالاتٍ لم يعهدها وأفكارٍ لم يألفها ؟ أم أنّها الكتب التي بلورت لديه مفهومًا أكثر عمقًا عن القراءة ؟ وربما تكون الكتب التي وضعته في مكاشفة مع نفسه.
لذلك لا يقنعني قارئً يستطيع أن يؤطر قائمة تفضيلاته القرائية في عدد قليل من الكتب في حين أنه لا يستطيع أن يعيش علاقة مستقرة مع القراءة ، خاصة وأني سأجد فيما سأقف عليه من إجاباته ما يعبّر عن كونه مدينًا حتى لتلك الكتب التي تعثّر بها ، أو التي أوصدت أبوابها دونه ، وأخرى ساهمت في تشكيل ذائقته حسبما يحب وما يتجنب.


القارئ موعودٌ دائمًا بلقاءٍ أوّل مع القراءة ، في حضرة كلّ الكتب التي لم يقرأها بعد ، ليدشّن بدايته الحقيقية.
ولا تبدو أسئلة مثل لماذا نقرأ ؟ وكيف نقرأ ؟ أقل فظاظة مما سبقها ، فكيف يرتضي القارئ أن يملي أحدٌ عليه مبرراته الخاصة وأن يرتّل إجابات الآخرين كنصٍ مقدّس ينتهك حرمة ممارساته القرائية ويمزق أستار العلاقة التي يستعذب هلاميتها. هو يحترم الأسئلة التي تقر بفرديته ، الأسئلة على شاكلة لماذا تقرأ ؟ وكيف تقرأ ؟ ينصت ليبلور فلسفته.
القارئ يعرفُ جيّدًا أن الفعل القرائي يخصّه وحده.