ما من عاشق للكتب إلا وتذوق مرارة فقدان كتاب وضياعه بسبب الإعارة.

 يتودد إليك صديق أو زائر كي تعيره أحد كتبك ليقرأه، أو ليستعين به في إعداد بحث أو ما شابه، ثم لا يلبث أن " يفقع " مرارتك قبل أن يعيده، طبعا هذا إن كان من أهل الحرص والفضل، أو يختفي بلا رجعة هو والكتاب، فيحكم عليك بأوقات حزن تتجدد كلما احتجت له أو لاح عنوانه بخاطرك !

يمكنك بالتأكيد العثور على نسخة أخرى في أقرب مكتبة، إلا إذا كان على صفحات كتابك إهداء يوثق ذكرى صداقة أو حب فتلك فجيعة أخرى، لأننا اليوم في زمن الطباعة، ودور النشر تقذف بآلاف النسخ لتوزعها على امتداد رقعة واسعة. لكن هل لك أن تقدر حجم الخسارة في زمن النسخ والورَّاقين؟ وما يعنيه ضياع نسخة فريدة بخط المؤلف نفسه؟

إن أسلافنا وجدوا أنفسهم أمام معادلة دينية وأخلاقية كان عليهم أن يبحثوا لها عن حل توفيقي. فمن جهة يحذرهم النص الديني من كتمان العلم، ويعتبر البخل بمصادر المعرفة أشد لؤما من البخل بالمال .. لكن من جهة أخرى لا يكتفي بعض طلبة العلم باستعارة الكتب لأجل التعلم و التفقه، وإنما تُزين لهم أنفسهم الاستحواذ عليها وعدم ردها لأصحابها.

ما العمل إذن ؟

توزعت الآراء والمواقف بين أربعة اتجاهات أساسية تعكس الأهمية الفائقة للكتاب، و مركزيته في الحياة الثقافية آنذاك. وهي الآراء التي يعرضها محمد خير رمضان يوسف بتفصيل في كتيب طريف بعنوان " آداب إعارة الكتب في التراث الإسلامي". وأتمنى صراحة أن يخصص له القراء بعض اهتمامهم ليُلامسوا ذاك الشغف الفريد الذي تمتع به أجدادنا في علاقتهم بالكتب.

يميل الاتجاه الأول إلى إعارة الكتب دون قيد أو شرط، من باب الكرم والسماحة، والإسهام في نشر المعرفة. لذا لم يكن أنصاره يهتمون باسترجاع الكتب المعارة ويعتبرون الأمر من بركات العلم .. ومن طريف ما يحكى هنا عن أحد أشهر جامعي الكتب في عصرنا، واسمه أحمد تيمور، أنه أعار مخطوطين نادرين لأحد أصدقائه، ولما رفض هذا الأخير إرجاعها كان تيمور يزوره في بيته ليطلع على أحد المخطوطين كلما احتاج لذلك !

أما الاتجاه الثاني فقرر إعارة الكتب خوفا من إثم كتمان العلم، وهنا نقرأ تحذيرا لسفيان الثوري مفاده أن من بخل بعلمه فإنه يبتلى إما بنسيانه، أو عدم الانتفاع به قبل موته، أو ضياع كتبه.

وكانت الوسيلة لضمان إرجاع الكتب هي التودد لمن استعارها، ومراسلته بين الفينة والأخرى بكلمات رقيقة، وأبيات شعر مهذبة تذكره بشيمة الوفاء ورد الأمانات إلى أصحابها.

 في حين وضع الاتجاه الثالث شروطا للإعارة يضمن من خلالها ألا تقع كتبه في أيد غير أمينة .. ومن بينها ألا يعير الكتاب إلا بعد إلحاح شديد من الطالب، وأن يلتزم هذا الأخير بقراءته، لأن الإعارة للكسالى فيها ضياع للعلم.. وأن يتعهد بالمحافظة عليه ... فكان بعضهم يزور بيت الطالب ويلقي نظرة على كتبه، فإن وجدها محفوظة بعناية فإنه يعيره ما أراد .. وفي عصرنا تميز الشيخ علي الطنطاوي بنباهة خاصة ويقظة مع من يرغبون في استعارة كتبه. فكان رحمه الله، لا يسمح بخروج الكتاب من داره إلا بإذن رسمي ومع تحديد المدة، ثم يذكر الطالب كلما لقيه بالكتاب حتى يمل هذا الأخير فيعيده إلى صاحبه.

وذهب الاتجاه الرابع أبعد من ذلك حين وجد للإعارة قيدا شرعيا هو الرهن .. فيمكنك أن تستعير الكتاب مقابل مال أو شيء آخر نفيس تتركه رهنا عند صاحبه. وبعضهم يشترط أن زيادة على الرهن أن تحلف بالأيمان المغلظة أنك ستصون الأمانة وتكون موضع ثقة .. وفي ذلك أنشد محمد بن خليف قائلا:

أعِرِ الدفتر للصـــــا      حِب بالرهن الوثيق

إنه ليس قبيــــــحــا     أخذُ رهنٍ من صديق !؟

وهو التعامل الذي اعتمدته المكتبات في عصرنا هذا، بأن تشترط مبلغا من المال أو بطاقة التعريف كضمانة مقابل إعارة الكتب.. لكنه يظل إجراء إداريا يختلف من حيث الجوهر عن النقاش الذي أثاره أسلافنا، حيث شكلت المكتبات في زمنهم واجهة المعرفة المنظمة قبل ظهور المدارس، وتجليا لثلاث حقائق: الأولى أن هناك كتبا تستحق أن تُجمع في مكان واحد، والثانية تدني نسبة الأمية التي تعيق الانغماس في عوالم الحرف المكتوب، أما الثالثة فهي الشغف بالقراءة وجمع الكتب، وإنشاء مكتبات ضمت عشرات الآلاف من المؤلفات رغم ما يتطلبه النسخ من جهد بصري وظروف اشتغال قاسية.

وبعض قصص هذا الشغف مثيرة وتدعو للحسرة حين نقارنها اليوم بواقع الإنسان العربي المعاصر في علاقته بالكتب والمكتبات؛ منها خبر جامع كتب يدعى شافع بن علي العسقلاني الذي ترك بعد موته عشرين خزانة ملأى بالمخطوطات النفيسة، ورغم فقد بصره قبل موته إلا أنه كان يعرف عنوان الكتاب بمجرد لمسه، ويذكر تاريخ ومكان اقتنائه.. بينما على الضفة الأخرى قررت حكومة الثورة الفرنسية، بعد مصادرتها لكتب النبلاء ورجال الدين، إلقاء الكتب في مستودعات ضخمة بباريس وليون، ثم بيعها بأثمان بخسة بعد أن تلاشت بفعل الرطوبة و الأوساخ والعث !

بقي اتجاه خامس يتمسك أصحابه بعدم الإعارة مطلقا، ولعل ذلك بسبب كثرة ضياع المخطوطات والمسودات النفيسة، وإهدار جهد معرفي وفكري تحتاجه الأمة. لكن يظل برأيي مجرد انفعال لا يلبث أصحابه أن يتخلوا عنه تقديرا منهم لدور المعرفة في نهضة الأمة.. لذا لم ينفذ الحافظ السخاوي وعده بإلقاء كتبه الجليلة في البحر قبيل موته !