لم تكن لتأتيني الجرأة على الاعتراف بتجربتي في سرقة الكتب لولا مشاهدتي لاعتراف الكاتب والأديب العراقي خضير ميري وتجربته في سرقة الكتب ، ففي لقائه مع الإعلامية العراقية رنا جعفر حسين ذكرته بحوار دار معه قبل عام من اللقاء حين تقابلا في معرض القاهرة ، واعترف لها خضير أنه سرق من المعرض 40 كتاباً ، سألته رنا ماهي حكايتك مع السرقة ، فأجابها أن سرقة الكتب وسيلة شائعة بين أصدقائه من الأدباء العراقيين والذين تحفظ على أسمائهم حتى لا يحرجهم ، و قد نشأت هذه السرقة كنتيجة لفترات الركود المالي التي مرت على العراق ، هذه الوسيلة كان لها أساليبها التي تطورت من خلال ربط أكياس بلاستيكية داخل الملابس أو من خلال تفصيل جيوب خاصة داخل القميص أو لبس المعطف الشتوي حتى لا تظهر الكتب المسروقة ، السرقة أيضاً لم تكن عشوائية بل كانت منسقة ضمن مشروع قرائي ، فيحكي خضير عن أحد أصدقائه الذي تخصص في سرقة قصة الحضارة إلى أن أكمل أجزائها .

وبالمناسبة فخضير هو أحد مجانين القراءة يتحدث هنا عن غرفته : ( كتب في كل مكان ، كتب تنام تحت بعضها البعض ، كتب على السقف كذلك ، كنت قد علقت شبكة بلاستيكية من النوع الذي يستخدم في مرمى كرة القدم على طول السقف ووضعت كتب في باطنها ، وكان ذلك كفيلاً بإعطاء صورة لكهف كتبي) .

حسناً أعترف أني سارق كتب أيضاً وأن علاقتي مع الكتب بدأت بسرقة ، حدث هذا في الصف الأول متوسط في المدرسة السعودية بجدة ، كان مدرس اللغة العربية عبدالعزيز الغامدي ينقل حصة اللغة العربية إلى المكتبة المدرسية بدلاً من الفصل ، و عبدالعزيز الغامدي _رحمه الله _ كان يشكل لنا صدمة حضارية ، نحن أبناء الحارة الشعبية ، إذ كان يتكلم بلغة عربية فصحى ، كنا نشبهه بممثلي المسلسلات التاريخية أو بخطباء الجمعة ، لكن عبدالعزيز الغامدي سيظل واحداً من المعلمين الذين أناروا ذاكرتي .

كان من المعتاد أن ننتهي قبل نهاية الحصة ، وبما أننا في المكتبة فلم يكن أمامنا من وسيلة لتمضية الوقت سوى الإطلاع على الكتب ، في تلك الفترة نشأت علاقة غريبة بيني وبين كتاب ( أخبار وتراجم تاريخ الأندلس ) يتناول أحداث أندلسية وروايات غريبة مثل : ( ولد بالأندلس في أيامنا مولود برأسين ، وكان ابن غلاب السوسي حاضراً فقال : الذي بلغنا أنه ولد بالمغرب مولود برأس واحد له وجهان ) ، أنهيت الكتاب بعد عدة حصص ، طلبت إستعارته لكن أمين المكتبة رفض بحجة أنه من الكتب القيمة التي لا تعار ، وبعد فترة عدت وطلبت شراءه أو أخذه بأي طريقة ممكنة ، لكن أمين المكتبة رفض أيضاً ، رفم توفر العديد من النسخ من ذات الكتاب ، لم تكن الحكاية بالنسبة لي إستكمال قراءة فقط ، لقد تولدت علاقتي معه بشكل غريب ، صرت أقرأه دائماً رغم أني انتهيت منه ، وفي يوم لم أرد أن أرجعه إلى رف المكتبة ، خبأته وسط كتاب اللغة العربية رغم أنه كان ظاهراً ، إلا أن سرقتي اكتملت وقتها .

في الحقيقة لم يكن الموضوع سهلاً بالنسبة لي ، لقد كان الموضوع سرقة ، كان علي أن أتجاوز الكثير من الحوارات عن القيم الأخلاقية و الصواب والخطأ ، حشدت كل المبررات الممكنة لإسكات ضميري ، فأنا حاولت الاستعارة أو الشراء أو أخذ الكتاب بطريقة نظامية لكن طلبي قوبل بالرفض رغم وجود عدة نسخ من الكتاب، يمكن القول أن هذا الكتاب كان بوابتي للدخول إلى المكان الذي لا يمكنك أبداً الخروج منه .. الكتب

إن موضوع سرقة الكتب يفتح حوارات أخلاقية عدة وهو ليس وليد اليوم إنه أحد أكثر القصص تشويقاً في تاريخ الكتب ، وسأتناول في مقالات قادمة الحديث عن تاريخ سرقة الكتب ومقاربات إيجاد قراءة لهذا الفعل .