لا حاجة لأن تتعب قدميك في التجوال داخل مكتبة .. والتردد أمام عشرات الأرفف المحملة بكتب من مختلف الألوان والأحجام ..

نحن من يتولى إنتقاء الكتاب الذي يناسبك .. نعدك بالتشويق والمتعة .. والإنضمام سريعا لكوكبة القراء الورديين الذين نفخر بهم في عصر الوجبة السريعة.. والقراءة السريعة ...

طبعا لا تحتاج دور النشر إلى عرض هذا الإعلان لأنها تفعل ذلك بأساليب أخرى .. فتلقي بالتعاويذ والبهارات على أي عمل أدبي أو فني ليتربع على عرش الإصدارات الأعلى مبيعا ..والمترجمة لأكثر من ثلاثين لغة .. والتي قيل عنها في نيويورك تايمز كذا .. وأشاد بها

الصحفي فلان ..هكذا يسهل عليك التوجه صوب العنوان المحظوظ واقتناؤه .....

مرحبا بك في عالم مستهلكي الكتب !

ما إن تسللت الإعتبارات التجارية إلى مجال النشر والتحرير حتى صارت الكتب.. على رأي ألبرتو مانغويل أشياء ذات بعد واحد .. كتبا تتسم بالسطحية ولا تتيح للقراء إمكانية الاستكشاف..هذه الصنمية التجارية التي هيمنت على حقول النشاط البشري... بما فيها الوعي نفسه.. أثرت بشكل واضح على عادات القراءة من خلال إقصاء الفكر ... ودفع القارئ إلى قبول أن الكتب الجيدة هي تلك المحضرة له مسبقا ... يقول مانغويل

" تفرِد ملاحق الكتب المفروضة بفعل سياسة صحافية عامة لمخاطبة قراء يفترض أنهم ضئيلو الثقافة .. مساحة أكبر فأكبر لتلك الكتب الشبيهة بالوجبات السريعة .. بحيث تخلق الإنطباع بأن كتب الوجبات السريعة تملك قيمة مماثلة لأي كتاب كلاسيكي من الطراز القديم .. أو أن القراء ليسوا مؤهلين بما يكفي للاستمتاع بالأدب الجيد".

أصبحت أغلفة الكتب مرفقة بعبارات تحفيزية من قبيل:

" الكتاب الذي حقق مبيعات منقطعة النظير".

أو" مؤلف الكتب الأفضل مبيعا والتي طبعت منها ملايين النسخ".

وفي أغلب الأحيان يتصدر الغلاف انطباع صحفي أو كاتب مرموق .. أو مقتطف من مجلة تشيد بالكتاب على نحو طريف ..نجد مثلا

على غلاف (الدليل الكامل للتحكم في الذاكرة) لهاريلورين هذه العبارة من مجلة مونيلاينز ..

" من الخبير العالمي الرائد في مجال تدريب العقل والذاكرة.. إليك أكثر كتب تدريب الذاكرة وضوحا وتحديدا وفعالية وفائدة"...

طبعا دون أن تكلف المجلة خاطرها لحصر كل الإصدارات العالمية في هذا المجال وتقييمها.. ثم تحديد المعايير التي منحت قصب السبق لهذا

الكتاب !

ترتبط المسألة..برأي الدكتور عبد الله الغذامي بغياب التواصل بين الناس في الغرب .. مما جعل الإقبال على الكتب الأكثر مبيعا مجرد ضرورة إجتماعية وليست ميزة ثقافية تعكس القراءة الجادة .. فأغلب هذه الإصدارات يجدها المسافر في كشك بمحطة القطار أو المطار .. ليتصفحها سريعا ثم يخلفها وراءه .. وهذا بطبيعة الحال لا يشمل كل الإصدارات بل أغلبها.. خاصة بعد أن هيمنت سمات الصورة على الخطاب المكتوب نفسه... وخضع الكاتب لتوجيهات الناشر التي تحدد مواصفات المنتوج في ثلاث قواعد أساسية: الصراحة - والمباشرة - و السهولة.

ويعالج الأكاديمي البريطاني رونان ماكدونالد الظاهرة من زاوية أخرى تتعلق بتراجع دور الناقد في توجيه حركة القراءة.. وتدريب وعي القارئ على الغربلة و التقويم .. ففي العقود الأربعة الأخيرة جرى التمهيد لموت الناقد .. وحصر مهامه داخل أسوار الأكاديمية .. وبالتالي حرم القارئ المتعطش من رأي الناقد المتخصص في العناوين التي تدفع بها دور النشر للأسواق .. هكذا تولى العمل بعض نقاد الصحف غير المتخصصين .. ومقدمو البرامج الحوارية المتلفزة ليوجهوا ذوق القراء بناء على أحكامهم الشخصية .. ورغم أن ماكدونالد يوجه نقده لهذا التحول الجذري داخل الثقافة الأنغلوساكسونية ... إلا أن المؤشرات على الساحة العربية ما فتئت تتزايد لمواجهة العزوف عن القراءة بوهم القراءة !

تكريس موضة "الأكثر مبيعا" في مشهدنا الثقافي دفع بالعديد من العناوين إلى الواجهة دون معايير محددة...فأغلب العناوين المختارة تغذي برأي الغذامي حاجة إجتماعية أو نفسية مشتركة ..ويضرب مثلا لذلك برقم المبيعات الذي حققه كتاب (لا تحزن) للشيخ عائض القرني .. لما ينطوي عليه العنوان من إحتمالية البلسم الذي يفرج الهموم .. ويعالج جراحات الروح .. والطريف في الأمر أن الإستطلاع المحدود الذي أجراه الكاتب في صفوف طلبة الجامعة .. لم يعكس وضعا قرائياً تغذيه ثقافة الكتاب .. بقدر ما كشف التداخل المفجع مع وصول منتوج إلى الأسواق .. وهكذا تنتفي الفروق بين الكتب وباقي المنتوجات السلعية .....

إن عبارة "الأكثر مبيعا" قد تحقق للناشر ما يرجوه من أرباح ..وتجعل من بعض الكتّاب ذوي المواهب المحدودة أيقونات في عالم التواصل الإفتراضي .. حيث تضج الشبكات بمقولاتهم الجيدة والرديئة .. لكنها لا تسهم بأي شكل من الأشكال في حلحلة وضع القراءة الراكد ... وحل المشكلات التي لا يكف إتحاد الناشرين العرب عن التصدي لها .. ومن ضمنها : الإهتمام بتنمية عادة القراءة عند الصغار ..واستمرار آفة الأمية التي تقلل من حجم المطبوعات.. ناهيك عن تعاظم أجهزة الرقابة وتشددها في أكثر من بلد عربي.

بالنظر إلى عوز القراءة المكتسب ..كما يصفه الأستاذ محمد عدنان سالم والذي يؤرق بال المهتمين بالشأن الثقافي في كل بلد.. فنحن أحوج ما نكون في الحقيقة إلى مبادرات صادقة تعيد الإنسان العربي إلى حضن الكتاب والمكتبات .. مبادرات شبيهة بالتي حدثت في

فرنسا سنة 1993 .. حين لاحظ المسؤولون تراجعاً يسيراً في القراءة عند الشعب الفرنسي .. فترك وزير الثقافة مكتبه لينزل رفقة كبار المؤلفين الفرنسيين والمهتمين بصناعة الكتاب إلى الشوارع والحدائق والساحات .. ويفتحوا أبواب المكتبات أمام الجماهير لترغيبها مجددا في القراءة.

تهتم كل الصناعات اليوم بتوسيع شريحة المستهلكين .. غير أن صناعة الكتاب الحقة ... يقول مانغويل .. ينبغي أن تهتم بتثقيفنا في أوقات غبائنا ... لأننا لا نولد أغبياء بالفطرة !