أمة اقرأ لا تقرأ..

وحسب تقارير المنظمة الفلانية فإن العربي يقرأ بضعة دقائق في السنة مقارنة بعشرات الكتب التي يقرأها غريمه الأجنبي ..

تتردد هذه العبارات في المقالات الصحفية ودورات التنمية الذاتية .. حتى يكاد المرء يقتنع بأن العزوف عن القراءة تقليد عربي متوارث، وأننا استثناء في رحلة البشرية داخل المكتبات .. ويكفي أن يتخطى العربي حاجزا نفسيا مصطنعا إزاء تراثه وتاريخ أجداده .. ليقف على صور شغف فريد بالكتب والمكتبات.. ورحلات قطع روادها آلاف الأميال لجلب نسخة من كتاب.

أسهمت الفتوحات الإسلامية في إثراء الحياة الاجتماعية والثقافية .. وأحدثت في المجتمع حراكا عجيبا لطلب العلم واقتناء الكتب..

وكان لحركة الترجمة في عصر الخليفة المأمون دور كبير في نقل الآثار الفكرية المتعددة إلى العربية .. فنشطت وتيرة القراءة والتبادل الثقافي. واتخذ الأمر أحيانا دلالة الرفاه الاجتماعي فتسابق الأغنياء لشراء النسخ النادرة والمجلدات الفاخرة .. وتخصيص خزانة للكتب في دورهم عنوانا على انتسابهم لعالم القراء والمثقفين .. ومن الأسماء العديدة التي انطوت مسيرتها على ولع شديد بالكتب نجد الإمام أبا فرج بن الجوزي -الإمام الواعظ- الذي كان يجتمع في مجلسه خلق كثير يزيد عن عشرة آلاف ليستمعوا لسحر بلاغته ونصاعة بيانه وقدرته الفريدة على التأثير في مستمعيه.

كان ابن الجوزي لا يشبع من مطالعة الكتب منذ صغره.. فإذا رأى كتابا فكأنه وقع على كنز .. ويذكر في بعض مؤلفاته أنه قرأ أزيد من عشرين ألف مجلد، وواظب على القراءة وطلب العلم حتى في شيخوخته، إذ يُحكى أنه قبل موته بقليل عرض القرآن بالروايات على ابن الباقلاني وهو في الثمانين من عمره ..يقول معبرا عن شغؤفه بالقراءة:" إني رجل حبب إلي العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به.. ثم لم يحبب إلي فن واحد منه بل فنونه كلها.. ثم لا تقتصر همتي في فن على بعضه بل أروم استقصاءه".

وإذا ذكر الشغف بالكتب والقراءة فإن اسم أبي عثمان الجاحظ يبرز كأيقونة عربية متفردة .. فهذا الأديب الذي اشتهر لدى القراء بأنه يكتري حوانيت الوراقين ويبيت فيها كي يطالع كل ما تحتويه من مصنفات ..صار مرآة مجتمع بأكمله حين تناول بيئته بالتحليل والنقد .. وجعل من ثقافته الموسوعية وسيلة لتوثيق ورصد الظواهر السائدة في مجتمعه.. بالإضافة -طبعا-للكتابة الأدبية والنقدية الصرفة.

نشأ الجاحظ منذ صغره ميالا للقراءة وطلب العلم.. رغم أن أمه كانت تحرضه على احتراف التجارة بدل إضاعة وقته في طلب الكتب والعلم..

ومما يحكى في هذا الباب أنها جاءته يوما.. بدل الغذاء بطبق عليه أوراق و كراريس ..فقال: ما هذا؟ قالت : هذا الذي تجيء به كل يوم. فخرج مهموما وجلس بجوار الجامع .. فلما سأله أحد أصدقائه عن سبب غمه أخبره بما جرى.. فأدخله الرجل إلى بيته .. وقرب إليه الطعام وأعطاه خمسين دينارا ..  فنزل إلى السوق واشترى طعاما كثيرا حمله الحمالون إلى داره.. وقال لأمه: هذا المال من الكراريس التي قدمتها إليّ.

ويعرِض الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في سيرته لشغفه بالقراءة وفك أسرار العلوم المختلفة قائلا :" رغبت في علم الطب وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه، وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة، فلا جرم أني برزت فيه في أقل مدة وأنا من أبناء ست عشرة سنة." ثم يصف إقباله على المنطق والفلسفة وتناوُل جميع مسائلهما خلال عام ونصف فيقول:" أعدت قراءة المنطلق وجميع أجزاء الفلسفة..وفي هذه المدة ما نمت ليلة واحدة بطولها ولا اشتغلت في النهار بغيره.. وكلما كنت أتحير في مسألة ترددت إلى الجامع .. وصليت وابتهلت إلى مبدع الكل ..وكنت أرجع بالليل إلى داري وأضع السراج بين يدي واشتغل بالقراءة و الكتابة."

وانتقل الشغف بالكتب من الأدباء والعلماء إلى الحكام والساسة الذين اعتبروا جمع الكتب و المخطوطات من مفاخرهم الكبرى.. فكان الحكم أمير الأندلس يبعث ببعض رجاله إلى المشرق ليشتروا له النسخ الأولى من الإصدارات الجديدة ..وضم فهرس مكتبته أزيد من أربعين كراسة مخصصة فقط لأسماء الكتب..

أما خزانة -العزيز خليفة مصر المتوفى سنة 996م- فيحكي المقريزي أنها كانت تشتمل على مليون وستمائة ألف كتاب ..وبها نسخ بخط مؤلفيها ككتاب "العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي بخط يديه ونسخة من تاريخ الطبري بخط يده وغيرها.. وفي دار عضد الدولة جمعت الكتب التي صنفت إلى عهده في مختلف العلوم...

وإلى جانب الجاحظ اشتهر الفتح بن خاقان أحد رجالات الدولة في عهد المتوكل.. بولعه الشديد بالكتب... فكان حتى أثناء ذهابه لقضاء حاجته يخرج كتابا من كمه ليقرأ فيه.

واشتد حرص الصاحب بن عباد على القراءة إلى حد أنه اعتذر عن قبول منصب وزاري في عهد السلطان نوح بن منصور الساماني لأنه لا يستطيع أن يحمل معه كل الكتب التي في حوزته.. حيث يلزمه أربعمائة جمل أو أكثر لنقلها ....

وكان فهرس هذه الكتب يقع في عشرة مجلدات!

وبلغ الشغف ببعضهم إلى إحداث ما يعادل المكتبات العمومية في يومنا هذا ومنهم الفقيه الشافعي أبو القاسم بن حمدان الموصلي -المتوفى سنة 935م- و الذي أسس دارا للعلم في بلدته وجعل فيها مكتبة من جميع العلوم وقفا على طلاب العلم فإذا دخلها طالب فقير أعطاه ابن حمدان الورق و تكفل بمصاريف إطعامه وإيوائه.

يضعنا هذا الشغف اليوم في مأزق استعادته.. ووصل الجسور المنقطعة بيننا وبين الزخم القرائي الشديد الذي طبع حياة أجدادنا..... وهي مهمة صعبة في ظل ما تشهده الحياة المعاصرة من تعقيدات وهوامش إلهاء.. لكنها لن تكون بالتأكيد مستحيلة !