إنه عصر السرعة بكل تأكيد، حيث تقاس الفاعلية بمدى الإنجاز في زمن قياسي .. لذا يبدي الإنسان حرصه على أن يظل منسجما مع عالمه، فيتعلم بسرعة، ويعمل بسرعة، ويتنقل بسرعة، ويراقب العداد في مجمل أنشطته اليومية.

لكن حين يتعلق الأمر بتلبية حاجاته الروحية والعاطفية فإن السرعة هنا قد يكون لها أثر عكسي، وتخلف نوعا من الحيرة والبلبلة، كما هو الشأن في القراءة باعتبارها نشاطا إنسانيا يغذي العقل والوجدان، ويبدد القلق والضجر وروتين الحياة اليومية.

منذ خمسينيات القرن الماضي أثارت إيفلين وود في دليلها ( ديناميات القراءة) مسألة مهمة تتعلق بضرورة رفع وتيرة القراءة لمواجهة التدفق الهائل للمعلومات. وأجريت العديد من الأبحاث والتجارب لتحقيق معادلة السرعة والدقة، والتخلص من عبء القراءة البطيئة التي تقف عائقا أمام كسب مفاتيح النجاح المهني ..

غير أن سلسلة من الوقائع والأحداث دفعت البعض إلى التشكيك في النتائج المحصل عليها عبر البرامج التدريبية، ومدى مطابقتها للحقائق العلمية المرتبطة أساسا بالدماغ.

انصب اهتمام برامج وتقنيات القراءة السريعة على زيادة عدد الكلمات المقروءة في الدقيقة الواحدة، وتحسين الأداء عبر آليتين هما:

أولا:  القضاء على النطق الداخلي للكلمات لكونه السبب الرئيسي في بطء القراءة. والمراد بالنطق الداخلي أن القارئ حين يتخيل نطق الكلمة فإن ذلك ينتج عنه حركات دقيقة على مستوى اللسان وعضلات الحنجرة .. وبالتالي فإن فك هذا الارتباط سيضاعف من وتيرة قراءة الكلمات .

ثانيا : تسريع حركة العين بتدريبها على التقاط أكبر عدد من الكلمات خلال الثانية التي تقف فيها، وذلك باعتماد حركة الإبهام تحت السطر أو مستطيل مفرغ لمنع ارتداد بصر القارئ إلى الجمل السابقة.

كانت النتائج المحصل عليها مدهشة بل أقرب للخيال .. فولوج هوارد بيغ موسوعة غينيس للأرقام القياسية، كأسرع قارئ بمعدل 25 ألف كلمة في الدقيقة بدا أمرا غير قابل للتصديق، لأن مجرد تقليب صفحات أي كتاب سيكون أبطأ بكثير. ثم توالت العروض التلفزيونية المثيرة ، والتي مكنت بيغ رفقة زميله كيفن تروديو من الترويج لبرنامجه المكوكي في فن القراءة السريعة. وكان على الجميع الانتظار حتى سنة 1990 حيث  رفعت دعاوى ضد بيغ بتهمة الدعاية المضللة، لأن أغلب زبائنه لم يتخطوا عتبةَ 800 كلمة في الدقيقة مع طرحهم مشكلة فهم واستيعاب المقروء !

بالعودة إلى الآليات المعتمدة في تسريع وتيرة القراءة فإن التحرر من النطق الداخلي للكلمات غير ممكن بتاتا، لأن القراءة ليست مجرد نظر في الكلمات، وإنما هي عملية معقدة تتضمن أيضا استقبال وتصنيف المعلومات، وهي الدينامية التي تتداخل فيها العوامل العقلية والبصرية. ويكفي وضع جهاز استشعار كهرومغناطيسي على الحنجرة ليلتقط نبضات عصبية خافتة أثناء القراءة ..

أما ادعاء قدرة العين على التقاط عدة أسطر أو صفحة بكاملها فيبدو مناقضا للآلية التي تعالج بها أدمغتنا النصوص.

غالبا ما تكون السرعة على حساب الدقة والفهم، تقول إليزابيث شوتر أخصائية علم النفس في جامعة كاليفورنيا، لأن القارئ حين يختصر الوقت فإنه يُخفض من فهمه للمقروء كنتيجة حتمية للسرعة .. طبعا هذا لا يعني أن التحسن في الأداء غير ممكن، لكنه يحدث على نحو تراكمي فكلما قرأ المرء كثيرا إلا وازدادت سرعته بفضل قائمة المفردات والعبارات المألوفة التي لا تتطلب جهدا أو معالجة.

هذا لا يعني تجريد القراءة السريعة من أية ميزة، بل إن بعض تقنياتها مفيدة جدا حين يواجه الطالب أو الموظف كما هائلا من الأبحاث والدراسات والمقالات التي يتوجب عليه الاطلاع على مضمونها في زمن محدد. فالقراءة المسحية مثلا تتيح للمرء تصفح قائمة طويلة من الكتب خلال وقت قياسي لأنها تركز على المعطيات الأساسية في النص، وليس على متعة القراءة  ذاتها .. وبالتالي فهي الأنسب لطلاب الجامعات والباحثين.

أما القراءة لأجل المتعة والخيال، والإمساك بلطائف المعاني التي تغذي القلب وتخفف من وطأة الحياة، فليست بحاجة إلى ضبط المنبه، وضرب عدد الأسطر في عشرة لتحديد السرعة المبدئية. إنها قراءة تؤمن بالتريث، والوقوف طويلا أمام العبارات التي تهز الوجدان وتصحح المسار.

إننا نقرأ كي نفهم أو من أجل التوصل إلى الفهم، يقول ألبرتو مانغويل في مصنفه الشهير (تاريخ القراءة)، إننا لا نستطيع فعل أي أمر مغاير: القراءة مثل التنفس؛ إنها وظيفة حياتية أساسية.

ينبغي الحذر إذن من الدعاوى التي يرددها بعض مدربي التنمية البشرية، والأرقام المخيفة  بشأن التدفق المعلوماتي وملايين الإصدارات التي تقذفها دور النشر، فليس المطلوب أن يقرأ المرء أي شيء وكل شيء، وإنما الغاية أن يواصل  تصفح الكتب، ويصون عادته القرائية في ظل اجتياح مهول للتكنولوجيا الحديثة بألعابها ومواقع تواصلها ودردشاتها .. عليك فقط ألا تتنازل عن نصيب الكتاب في جدول أعمالك اليومي.

ومما يعزز هذا الطرح انتشار نوادي القراءة البطيئة في أوروبا، والتي تدعو روادها للاستراحة وإغلاق الهواتف، ثم الشروع في قراءة بطيئة تحد من زخم الانترنت الذي يلتهم الوقت.

"اقرأ لتهدأ" نصيحة كتبها فنان مجهول على لوحة تُظهر صيادا للسمك وبين يديه كتاب .. مقولة تلخص جوهر القراءة، ولا أعتقد أن السرعة مناسبة هنا ليستعيد المرء هدوءه !