القراءة ضرورية، وهذا أمر لا مراء فيه، لكننا منشغلون أيضًا وفي الوقت الذي نكون فيه كذلك فإننا نلجأ إلى السير في طرق مختصرة.
وإن كنا نود القراءة بشكل أفضل - بمعنى قراءة أكثر عمقاً تحقق فهماً أفضل- فإننا نعمد إلى القراءة بصورة أسرع فنخلط بين الأمرين وهذا يفسد الغاية من القراءة تمامًا.
أقرأ عادة ما يربو على مئة كتاب في السنة ثم أتحدث حول ما قرأت في مدونتي. وأحد أكثر الأسئلة التي تردني هو كيف يمكن للمرء أن يقرأ بشكل أسرع. وفي معظم الأحيان يرفق مع هذا الطلب رابط لكتاب أو مقالة علمية أو مدونة عشوائية تتحدث عن كيفية القراءة عشر مرات أسرع عما كنت عليه في السابق من خلال تطوير ما يسمى بالذاكرة التصويرية.
وهذا كله هراء! هناك طريقة لتقرأ أسرع، لكن ليس كما تظن، فالطريقة الأمثل لتقرأ أسرع هي أن تقرأ أكثر.


الأفضل والأسرع ليسا سواءً.

فالكتاب الجيد، حاله حال الأوقات الجميلة، هو شيء لا تتمنى أن ينتهي، ومن ثم فأنت لا تتعجل لإنهائه. (حسنًا قد تفعل ذلك في بعض الأحيان، لكن دعونا لا نلقي بالاً للمتعجلين، حسناً؟) فبدلاً من إنهائه سريعاً، تجدك قد انغمست فيه كلياً وتتمنى لو يدوم للأبد. وبالتالي، من المفترض أن يستغرق هذا بعض الوقت لتستشعره.

لا تخدع نفسك.

بما أن القراءة هي المفتاح لتغدو شخصا متّقد الذهن، فالقراءة السريعة لا تعدو كونها طريقة منمقة لخداع نفسك بالاعتقاد أنك تتعلم شيئًا جديدًا. وكما قال الفيزيائي ريتشارد فينمان: «أنت أسهل شخص يمكن خداعه» وفي الحقيقة ليست القراءة السريعة سوى تقليب الصفحات بسرعة.


القراءة بسرعة ليست تفكيرًا.

إن كنت تقرأ بسرعة فأنت بالتالي لا تفكر ولا تتحدى ما تقرؤه ولا تنقده ولا تربطه بالمعارف السابقة. أنت لا تجادل الكاتب ولا تقرأ حد بلوغ حافة قدرتك المعرفية. وكل هذه الأمور أعمال بحد ذاتها، وإن لم تقم بها، فإنك تنهي الكتاب بمعرفة سطحية إذ إن القراءة مطلب فكري.


القراءة بسرعة أسوأ من عدم القراءة.

القراءة السريعة تهبك أمرين لا ينبغي الخلط بينهما مطلقًا: المعرفة السطحية والإعجاب بالنفس وهذان هما المكونان الأساسيان للقرارات الخاطئة التي تقلل من وقت الفراغ الذي نملكه لأن علينا حينها قضاءه في إصلاح ما أفسدناه. وكنتيجة لهذا سيصبح لديك وقت أقل للقراءة النافعة.

يمكنك دوماً إيجاد وقت للقراءة.

لجون وودن مدرّب كرة السلة العظيم مقولة أحبها: «إن لم يكن لديك الوقت لتقوم بالأشياء بشكل صحيح، فمتى سيكون؟» إن إيجاد وقت للقراءة أمر بسيط لكنه ليس سهلاً.
ركز على أسلوب واحد من أساليب القراءة. إن هذا الأمر لا يمكِّنك من القراءة للفهم والمعرفة فحسب، بل سيسمح لك بقضاء وقت كبير دون انقطاع. وفيما يخص القراءة، هناك دائماً طريقة مثلى وهي ليست في أن تقرأ أسرع. مجددًا، أسرع هي فقط أسرع وليس أفضل.


إن السر في القراءة بطريقة أفضل يكمن في قراءة الكثير من الكتب المفيدة برويِّة. يساعدك هذا الأمر في بناء المعرفة، وبالتالي ستتيح لك هذه المعرفة أن تقرأ بشكل سريع وقدرة حقيقية على الفهم والتذكر. إنها الطريقة التي تمكنك من التخلص من معظم الكتب (الجديدة) كتخلصك من الأفكار القديمة التي لا تقدم لك فائدة تذكر، كما تمكنك من اتخاذ القرارات التي توفر لك مزيدًا من الوقت. إنها الطريقة التي تستطيع بواسطتها التفريق بين الكتب الجيدة والسيئة. ولم يكن تشارلز داروين ممن يدرسون بسرعة، لكنه كان ذا فكر متّقد بسبب تأنّيه وتفكيره العميق.


هناك حل أفضل. حين تتعلم كيف تبدو الكتب الجيدة وكيف تتخطى السيئة منها، فسيغدو هذا الأمر أعظم موفر لوقتك بدلاً من اختيار تعلم القراءة السريعة. اضبط جهاز التسقبال في عقلك لاستقبال الكتب الجيدة وكن حازماً حيال اختيار الكسل وتخلى عنه. لا تُضع وقت القراءة.


إن كنت تريد أن تصبح مختلفًا، فاقضِ وقتك في قراءة الكتب المفيدة بالطريقة الصحيحة. قد يبدو الأمر أن أصدقاءك يقرؤون أكثر مما تفعل أنت، لكن لا بأس، فهم يدورون في حلقة مفرغة. وحين تتخطاهم في منعطف المعرفة يمكنك أن تشكرني. ولا تقرأ كل ما يقرأ الآخرون.

يود معظم الناس الظهور بمظهر القارئ العارف. بمعنى أنهم يرغبون بالتحلي ببصيرة نافذة أو أن يحيطوا علمًا بكل ما يتحدثون به. لكنهم حين يجدون أنفسهم في مواقف تتطلب فهمًا وعلمًا حقيقيًا، فإنهم يولون مدبرين. ولذلك فهنالك الكثير من الفائدة التي تهبها القراءة، فاقرأ.


المصدر