كان الغباء فرصته للنجاة من أعراض الذكاء الجيد، لكن بعد أن استسلم لحماقات المجتمع الاستهلاكي، وتكيف مع الجميع ليسترد نصيبه من السعادة، إذا بالقراءة تنتشله من جو الغباء العام. لا مفر إذن من تحمُل تبعات الذكاء، فكلما زاد علمك زاد ألمك !

تلك كانت الخيوط المحورية التي نسج عليها الكاتب الفرنسي مارتن باج أحداث روايته الساخرة ( كيف أصبحت غبيا)؛ حيث يبذل الشاب المثقف أنطوان جهدا للتخلص من قناع الذكاء الذي أورثه التعاسة والعزلة والفقر.

يتوصل أنطوان إلى أن ذكاءه هو سر متاعبه، وأن القراءة المفرطة زادت من وتيرة ضيقه وعزلته، فيقرر أن يصبح غبيا ليشعر بالسعادة والقدرة على مواصلة العيش. جرب أن يصبح سكيرا لكنه بدلا من تذوق المشروبات الكحولية فضل أن يقرأ عن أنواعها وتأثيراتها، فباءت المحاولة بالفشل، لأن المرء لا يصبح سكيرا بالإفراط في القراءة.

ثم قرر أن ينتحر، فانضم إلى جمعية لتعليم الانتحار، إلا أنه بعد أن اكتسب خبرة المحترف تبين له أن الرغبة في الهروب من العيش لا تعني الموت بالضرورة.

في نهاية المطاف يُدرك أن الانتساب لهذا العقل الكبير الذي يدعى" الرأي العام"، بما يعنيه ذلك من تعطيل آليات المحاسبة والاختيار والأحكام المسبقة، هو جوهر الغباء المفضي إلى السعادة. سينساب دون مقاومة في الحماقة العامة التي تحيط به، ويعيد اكتشاف العالم الذي حُرم منه بسبب عقله وكتبه.

تعلم أنطوان الإنصات لحركة البورصة في شركة صديقه رافي فتغيرت حياته. قاده المال والنجاح إلى الاندماج في حياة ملؤها اللذة والتجاهل، غير أن رصيده من الحقائق والأفكار ظل يؤلمه إلى أن فوجئ ذات يوم بطرد بريدي يُحدث انفجارا في ذاكرته؛ فقد عزم أحدهم أن يوقظه من غبائه بنسخة من رسائل فلوبير التي يعشقها، وأقدمَ أصدقاؤه القدامى على انتشاله بأسلوب هوليودي من غبائه القذر الذي طال.

يحتفي مارتن باج بالقراءة معتمدا القول العربي المأثور : بضدها تتميز الأشياء. فمجتمع الاستهلاك الذي أوشك أن يقبر إنسانيتنا، يأبى أن يفسح المجال للمثقلين بهَم الحقيقة، والسعي خلف مساءلة الذات والأشياء. إنه أشبه بيوتوبيا للمغفلين. تشترط عليهم أن يحرقوا المكتبات، ويتجردوا من حقهم في الاختلاف والمساءلة والتقييم كي يطأوا فردوسها.

إن التوغل في ثنايا النص يكشف احتفاء ضمنيا بما ينبغي أن يتمسك به القارئ في أزمنة الحماقة. صرح ألبرتو مانغويل في كتابه (تاريخ القراءة) قائلا:" تضرم عملية القراءة التوترات النفسية وتزيدها اشتعالا، وتجعلها ترقص، وتوضحها لنا بدل تحريرنا منها.. لكننا على الأغلب نتحرك فوق أرضية صلبة. نحن نعرف أننا نقرأ حتى عندما نتخلى عن عدم تصديقنا، وعندما نفقد القربى من النص".

ضمن مسعى مماثل، وبحِرَفِية تمزج الواقعية بالتجريد، يضفي الأديب المصري فتحي غانم ميزة الترياق على القراءة في مواجهة حالة من الغباء" الأصلي". ففي روايته (الغبي) ينفتح العالم أمام محمود على نحو مثير بفعل المذاكرة والحفظ. صحيح أن كل ما تعلمه هو مجرد قشرة تغطيه دون أن تغير شيئا من أعماقه، لكن علينا التسليم بأن القدرات الإنسانية تفوق بكثير الآفاق التي يحددها العقل أو المنطق.

وبعد أن ترددت الحروف على شفتيه بصعوبة بالغة، وارتبط كل حرف بقصة أو حادثة، واصل محمود مهمة غرس كيانه الخاص بتسجيل كل شيء في ذاكرته، والتعامل مع الحياة بالحرف لا بالكلمة. ولعل ما يثير الانتباه في الفصول الأخيرة هو ذاك التقابل الفريد بين سمة الغباء الواضحة في كلام محمود وتصرفاته، وبين إحرازه تقدما وظيفيا وسفره إلى الخارج لجلب أفكار وخبرات جديدة !

  تنتصب القراءة حاجزا على جسر الوعي، لتُراجع و تُسائل وتنثر علامات الاستفهام حول ما بات اليوم عاديا ومألوفا، بل ومطلوبا كذلك. إنها تحد من استسلامك أمام أنماط الغباء المتزايدة في مجتمع الاستهلاك والابتلاع؛ لذا يجري اليوم الحديث عن القراءة كعلاج للمشاكل النفسية والصفات الحياتية المضطربة.

مع ازدياد الرفاهية استفحلت المآسي وتعالى الأنين، وأبدى الطب حيرته تجاه مشاكل صحية لم تنفع معها العقاقير والأدوية بقدر ما يفلح الكتاب في تبديد هواجسها. يحكي الدكتور شعبان عبد العزيز في كتابه (العلاج بالقراءة) قصة موظف تراجعت قدراته الجسدية وتناقص وزنه، بعد أن قرب موعد إحالته على التقاعد. وبينما عجز الطب عن اكتشاف علته فإن مكتبيا أرشده لقراءة كتب عن صيد الأسماك، حيث كان الرجل يعيش بجوار بحيرة، وأمده بكتب عن أنواع الصيد وسبل إصلاح أدواته. وهكذا ازداد الرجل تعلقا بالصيد، وأصبح دائم التردد على المكتبة لاقتناء الكتب، وترقب اللحظة التي يتفرغ فيها لعمله الجديد.

في القراءة تجاوز للأزمة، وفكاك من أسر الروتين اليومي الذي يغذي أشكال الغباء. وحين تقرأ فأنت تضيء خط سَيرك، وتؤمن بذكائك دون الحاجة إلى هالة مؤسسية. بل والأهم من ذلك أن تسترد شجاعتك لمواصلة العيش بإيجابية.

يحكي آبي أوبنهايم، مسؤول مكتبة سجن كاليفورنيا، كيف أن الكثير من مرتادي هذا السجن كونوا عادات قرائية بصورة ملحوظة، وتمكنوا بفضلها أن يتخلصوا من القلق والضغط النفسي الناتج عن المرارة والكراهية.

لا تكتفي القراءة بتحريرك من الغباء، بل تحرسك مما يمكن أن يُقدِم عليه الأغبياء من أخطار ومشاكل. كتب جورج كارلين :" لقد قلت مرارا إن الأغبياء خطر كبير، ربما يكونوا مُسَلين أحيانا ،ومزعجين أغلب الوقت، لكنهم أيضا خطرون معظم الوقت".