"القراءة وألم الوعي"
 
من إطراقي الطويل لجملة في كتاب، ومن تحسسي للكلمات وكأنني أختبرُ طراوتها، قفز سؤال في رأسي:كيف يمكن للوعي أن يصيبنا بالألم؟! وكيف يمكن لجملة واحدة أن تصيب عيوننا بدمع أحمر.
ما معنى أن تقرأ وحيدًا، أن تقرأ حزينًا، أن تقرأ مغتاضًا، أن تقرأ غاضبًا!
ما معنى هذا الموج الذي يجرفك في حالة اللاوعي القرائي فيصيبك بألم من شدة الوعي؟!وعيٌ بذاتك..بواقعك حتى بخيالك أو ذاك المستقبل الذي تراه وتلمسه.
هل إفراطنا في الحميمية مع الكتب يتلبسنا! أم هل الحميمية هذه هي نفسها التي تعنيها مي زيادة في قولها: "الكتاب هو المكان الوحيد في العالم الذي يمكن أن يلتقي فيه غريبان بحميمية كاملة" ربما كمال الحميمية من كمال الوعي الذي لا يعرف الاستئذان حين يُعبّر عن نفسه فيأتيك كشبحٍ يحرّكُ عصاه فوق رأسك، أو كملَكٍ يضحك إليك أو عليك..
في الفترة الأخيرة لم تعد القراءة بالنسبة لي مجرد معرفة إنها أعمق بكثير، إنها مضادي الحيوي، إنها الداء والدواء، فأنا لا أقرأ من هول الثقافة، أنا أقرأ من فرط الحزن، من لدغة الجهل أو من فضولٍ لاستكشاف ذلك الجهل وكما تقول الروائية بثينة العيسى في إحدى تغريداتها: "يندر أن تنقلنا الكتب من الجهل إلى المعرفة، هذه توقعات طموحة جدًا، الكتب غالبًا تنقلنا من الجهل إلى الوعي بالجهل وهو الأمر الجدير بدوره، إنها قفزة الإنسان من الغرور إلى التواضع" 
نعم هي قفزة تنمو بفعل كل القراءات الحادة، وكل الدهشات التي خبأتُها في جيبي دون أن يراني أحد، لأرى أجنحة تلوح لي بين الكلمات لكن سرعان ما تأتي جملة أخرى فتصيبني بالهذيان والضحك على هذه الحقيقة المسوّرة بكتاب.
لماذا لا أسمعُ الحقيقة إلا في الكتب؟!
قلتُ:"لا أسمع!" ربما لأنني كائنٌ سماعي، أقرأُ بأذني، وتقرع في رأسي الكلمات طبولها وأحيانًا تعزف آلامها دفعة واحدة.
الآن أدركتُ كلماتِ أنيس منصور التي يقول فيها "علمتني القراءة الطويلة المتأنيّة أدب الاستماع، فالقارئ لا يتكلم وإنما يستمع عميقًا وطويلًا إلى الذي يقرأه "
ثم يتحول هذا الاستماع إلى إنصات، وهذا الإنصات إلى عادة لذيذة منها تمامًا يخرج هذا الذي يُسمى "ألم الوعي" فترى الحقيقة غريبة بينما الزيف يؤذن للصلاة ولا تسألني أيّ صلاة..!
والصدق يتورع أن يقول شيئًا وويله إن قال!
والكذب لا لون له لأنه لا يحتاج إلى لون فلا كذبة بيضاء ولا صفراء لأنها لم تعد بحاجة إلى ذلك، فالزمن زمن الكذب والكذبة تموّل عالميًا، وتقوم على إثرها دولة وتسقط أخرى!
كل ذلك تُدركه في صفحات من كتاب فالأدب المعقل الأخير للحقيقة، وأنتم أيها الأدباء السيف والقلم، ولكل قارئ سدرة منتهى، ولكل كتاب سرّ خفي وألم لاذع يخلّفه هذا الوعي.