ليس هناك شيء أكثر أهمية بالنسبة لمستقبل بلد من البلدان أهم من تعليم جميع الأطفال أن يقرأوا ويكتبوا بسهولة وبسرعة وبدقة وبمتعة ، قال هذا أحد التربويين منذ نهاية الخمسينات. وهذا الكلام صحيح تماماً فمستقبل الشعوب والأوطان يرتكز على العلم والمعرفة والفهم الصحيح. والسبيل إلى ذلك كله لا بد أن يرتكز على العلم والمعرفة والفهم الصحيح . والسبيل إلى ذلك كله لا بد أن يمر عبر تعليم أطفالنا القراءة والكتابة بالمهارات الأربعة التي أشرنا إليها – السهولة والسرعة والدقة والمتعة – وهذه المهارات ضرورية للحياة في العصر الحديث، والقراءة هي السبيل إلى تحقيق ذلك كله ...ولكن أية قراءة ؟

فالمربون يشغلون أنفسهم كثيراً بتشجيع الأطفال على تربية عادة القراءة لديهم ، وكيف يعوّدون على حب القراءة والإطلاع منذ الطفولة المبكرة حتى تكون القراءة وحب الكتاب عادة أصيلة لديهم ويتحدثون كثيراً عن كتاب الطفل والنواحي التي ينبغي مراعاتاها في إخراجه بحيث يجذب الأطفال ويحببهم في القراءة ويهتمون بمراعاة التدرج في القراءة لكل من المراحل العمرية ومناسبة المضمون للمستويات التحصيلية واللفظية للأطفال ويقسمون القراءات حسب ميول الأطفال في سن السادسة أو السابعة، والثامنة والتاسعة ماذا يقرأ الأطفال وما الذي يميلون إلى قراءته، فهناك مرحلة قراءة قصص الأساطير والخرافات ومرحلة الاهتمام بالقصص الواقعية عن الطبيعة والحيوانات ثم الاهتمام بقصص الحياة والمكتشفين والمخترعين .

كما يتحدث المربون أيضاً من أجل الوصول إلى هدفهم في تحبيب القراءة عن جودة الطباعة وحجم الحروف، وضرورة توفر عنصر التشويق في المادة التي تقدم للأطفال ومراعاة الفروق الفردية وتلبية ميول واهتمامات القراء ..

وتتركز الدراسات العديدة حول ما اتصل بهذه النواحي سواء إخراج كتاب الطفل أو لغته أو مضمونه، وأيضاً يجري الحديث كثيراً عن المعوقات التي تحد من تكوين عادة القراءة لدى الأطفال وهنا يجري الحديث عن دور الأسرة في تنمية عادة القراءة بالإضافة إلى المدرسة ودور المكتبات المنزلية .

وكل هذا الذي أشرنا إليه إنما يسعى نحو شيء واحد وهو تأصيل عادة القراءة في نفوس الأطفال حتى يقبل الشباب في المدارس والمعاهد العليا على القراءة، لأن التعود على القراءة منذ الصغر هو وحده الذي يمكن أن يخلق الميل إلى القراءة .

ويستفيض الحديث في هذا الإطار عن دور الدولة أيضاً في تشجيع وتنمية وعي القراءة وتوفير الكتاب بالسعر الزهيد ودعم الكتاب كما تدعم السلع التموينية وتخصيص برامج مرئية ومسموعة تثير اهتمام الأطفال بالقراءة وتشجيع مؤلفي ورسامي كتب الأطفال والإكثار من نشر مجلات الأطفال .

وقد عكف الباحثون التربويون على هذه الزاوية من القراءة وحدها وهي تتصل بجانب الكم وليس الكيف، فليس المهم هو تشجيع القراءة، أية قراءة، ولكن المهم نوع القراءة .

وبالنسبة للمكتبين أيضاً فإنهم يتحدثون عندنا في الوطن العربي كثيراً عن الحاجة إلى تعويد الطلبة والتلاميذ العرب على القراءة، ودائماً وأبداً ما ضمنا مجتمع مكتبيين إلا شكونا من عزوف التلاميذ عن القراءة ، والذين يشتغلون بالمكتبات العامة يشكون دائماً وأبداً من عزوف أفراد المجتمع عن القراءة وضعف الإقبال على القراءة، ويتقدم الكثيرون باقتراحات ودراسات عن أسباب هذا العزوف عن القراءة وكيف نربي عادة القراءة .

وهذا هو الاتجاه الذي تسير فيه كل الدراسات الشائعة بين المكتبيين أيضاً حول القراءة، ولست أريد أن أنقص من هذه الاهتمامات والدعوات حول ضرورة تشجيع القراءة، كما أنني لا أقلل من حرص هؤلاء التربويين والمكتبيين على النهوض بالمكتبات وعلى الدفع بالحركة الثقافية إلى ما نصبو إليه جميعاً من تقدم وتطور، ولكنني أحب فقط أن أضيف تعديلاً متواضعاً بسيطاً وهو أن القراءة ليست هدفاً في حد ذاتها وإنما القراءة التي ينبغي أن نحرص عليها ونشجعها هي ((القراءة النقدية )) فتلك هي القراءة التي تؤثر في نمو الفرد وتطوره .

وإن الهدف من جعل الطلاب والتلاميذ يقرأون قراءة نقدية هو أحد الأهداف التربوية الأساسية بوجه عام، وأحد أهداف القراءة بوجه خاص، فلا شك أن الغرض الرئيسي للتعليم والتربية هو أن نكون شخصيات مفكرة قادرة على دراسة ما يعرض عليها بوعي، تستعمل طاقتها وملكاتها لكي تكون قوى نافعة ومنتجة في المجتمع، وهذا ما ينبغي أن يؤكد عليه في المرحلة الإعدادية والثانوية والجامعية، وينبغي أن يعتني أمناء المكتبات والمعلمون بالبرامج والمناهج التي تنمي فهم التلاميذ ومقدرتهم النقدية ووعيهم، وتقييم ما يقرأونه في المناهج الدراسية وفي وسائل الإعلام الجماهيرية.. وسوف تنعكس هذه القراءة النقدية على كل مايواجههم في المجتمع في شتى مناحي الحياة، الأمر الذي يجعلهم ذوي شخصيات مستقلة لا يمكن التأثير عليهم بأية دعايات مغرضة، أو حتى لا تستطيع استهواءهم الإعلانات التجارية المنمقة سواء كانت مصحوبة باللحن أو الغناء .

وهناك عدة تعريفات عن القراءة النقدية وكيفية تربية المقدرة على النقد عند التلاميذ، فهناك من يرى أن تربية الآراء المختلفة نتيجة للإطلاع على الآراء المتباينة في الموضوع الواحد مما يساعد التلاميذ على الفهم الصحيح .

وهذه المقدرة على النقد تأتي في مقدمة المهارات المكتبية التي ينبغي تدريب التلاميذ عليها، ولكن المشكلة في مثل هذا الرأي المكتبي الذي يرى أن دور المكتبة توفير الكتب والمصادر المتعددة التي تتناول بالدراسة موضوعاً واحداً من زوايا مختلفة سوف يساهم في تربية  المقدرة النقدية ..   إن ذلك لا يمكن أن ينمي هذه المقدرة لدى التلاميذ ما لم يتعلم التلاميذ أو الفرد بوجه عام الموازنة بين الرأيين والترجيح والاختيار، فعملية المقارنة والموازنة قطعاً أحد عناصر القراءة النقدية ولا يمكن أن تكون بديلاً للقراءة النقدية أو التفكير النقدي  .

ولن أتطرق هنا إلى مكونات القراءة وكيفية تعليم هذه المهارة في اللغة العربية لأن ذلك يقتضي بحثاً تجريبياً، ومثل هذه البحوث عن القراءة النقدية متوفرة باللغة الإنجليزية ولكن لم يلتفت لها الباحثون العرب ، فهناك دراسات حول قياس المقدرة على القراءة النقدية ودراسات تجريبية حول كيفية تعليم المهارات في التفكير النقدي من الثلاثينات والأربعينات من هذا القرن مثل بحوث تيلر 1930 وأندرسون 1944 ومع ذلك لم يهتم علماء التربية لدينا أو المكتبيون على كثرة ما كتبوه من أطنان من الورق حول شتى الموضوعات ... فلم يهتموا بعمل دراسة تجريبية حول القراءة النقدية وإن أشار كثيرون في واقع الحقيقة إلى أهمية القراءة النقدية ، ولكنها إشارات على استحياء، بينما الحقيقة أن لا جدوى من تعليم القراءة ما لم تكن قراءة نقدية .

وتتألف القراءة النقدية كما يرى لنستروم وتايلور من عدة عناصر تشمل التفكير النقدي المتمثل في تقدير وتقييم الآراء والأقوال تقديراً وتقييماً قائماً على المعرفة بمناهج البحث وبالاستدلال المنطقي، وتشمل هذه القراءة نموذجاً مرشداً لعرض الحوار الخاص بأي موضوع من الموضوعات في شكل قصص حول الموضوع الذي يدرس، بحيث تظهر فيه وجهات النظر المتعارضة ، وهذا يتطلب إدراكاً دقيقاً لمعاني الألفاظ والمدلولات التي تشير إليها، وعدم إبداء الحكم إلا بعد الفهم الدقيق للمشكلة المعروضة .

وإذا حاولنا أن نحلل القراءة النقدية لوجدنا أنها عملية معقدة تشتمل على الإدراك الدقيق لمعاني الألفاظ، وحدود استعمالاتها والمقدرة على استخدام ما لدى الإنسان من معرفة أيضاً، والمقدرة على تحليل ما تحمله اللغة من إيماءات تحريضية على القبول أو الرفض .

وإذا ما فهمنا القراءة النقدية بمعناها الوظيفي فإننا يمكننا أن نستخدمها في المرحلتين الإعدادية والثانوية، فنربي لدى أبنائنا المقدرة على النقد والقدرة على تحليل وتقييم دوافع ولغة الكاتب أو المتحدث وبذلك نكون أقدر على الفهم السليم لنوايا الآخرين ومقاصدهم و مواقفهم واتجاهاتهم، بل ومصالحهم لنعرف موقفنا بيقين وثبات، ويصبح من العسير خداع من تكونت لديه المقدرة على القراءة النقدية، وهذا كسب كبير لا يعادله شيء آخر في تنمية وبناء شخصية الفرد في أي مجتمع من المجتمعات .. وقد يكون مجتمعنا العربي أحوج مايكون إلى هذه المقدرة أولاً وقبل كل شيء حتى يحقق ما يرجوه من تقدم .  

  • تم نشر هذه المقالة في مجلة الناشر العربي من قبل .