قُبيل المطر يتوّتر الجو، (تتكاثف )  الغيوم، وتتهادى في الآفاق، وفجأة ينزل المطر، مثل لذة مُنتظرة. هذه العملية الملحمية أشبه ما تكون بالتوّتر الحيوي، القادر على العطاء، نتيجة اللقاح الحاصل بين الأرض والسماء، والشُعلة المنقدحة بفعل تواصلهما الحميمي معاً.

بإزاء هذا التوتّر الخارجي، ثمة توتّر داخلي، نتيجة عمليات التلاقح بين العقل والمعارف الإنسانية، فقُبيل الولادة الداخلية: ولادة الذات وتفتّح يراعات العقل، وشقشقتها لترى الشمس المعرفية الإنسانية من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها، قديمها وحديثها، يتوتّر العقل توتراً حيوياً، ويُصاب بنوعٍ من المُكابدة اللذيذة، ستفضي به إلى تواصل حميمي مع العقل البشري في تجلّيه الوجودي الأكبر.

أول قطرة تنزل داخل العقل تتزامن مع أول كلمة تُقرأ، لاحقاً يتدفق الماء وتسيل مياه المعارف الإنسانية داخل الجمجمة القاسية، فتفيض بالتقادم، وتغمر مساحات واسعة يضطرّ معها العقل إلى الخروج من حدود جمجمته الفردية، ليندمج في العالمين.

يضجّ العقل بالبهاء، وهو يتهادى بخطىً ثابتة وواثقة، ساعة يتنّقل بين حضارات وثقافات شتّى، لا تفتأ تجعله يتوتّر في منظوماتها المعرفية، ويُوتّرها بما يضيفه إليها. ففعل القراءة فعل إعجازي أساساً، لما يحمله من قدرة تناسلية قادرة على الانشطار والتوالد المرة تلو المرة .

سيصيرُ القلبُ أكثر رهافةً ونعومةً عندما نقرأ طوق الحمامة لـِ ابن حزم الأندلسي، وتصير الشجرة ألذ ثمراً عندما نقطف تفاحةً ونستحضرُ تفاحة نيوتن التي غيّرت معالم العالَم.    ويصير العجوز وحكمته التي علّمته إياها الحياة أكثر حضوراً في دواخلنا ساعة نقرأ العجوز والبحر لإرنست همنغواي، سنعدّ للعشرة قبل أن نُغامِر ونقفز في الفراغ.

سنتعلم الحكمة على أصولها يوم أن نقرأ الوجود مختصراً في شذارت بهية وبديعة في إنجيل الحكمة الطاوية لـ لاو تسو، وستندهش عقولنا مما أبدعه صن تسو واجترحه في كتابه فن الحرب.

سنغارُ غيرةً مُثمرة ومُنتجة، ساعة نقرأ غزليات المجنون بليلى العامرية:

ما بال قلبك يا مجنون قد هلعا    في حبِّ من لا تَرى في نيلهِ طَمَعَا

طُوبَى لمن أنتِ في الدنيا قرينتُه    لقد نفى الله عنه الهم والجزعـــا

سننزعُ ما في قلوبنا من غِلٍّ، ونُطهّرها من أدران الحقد والبغض والكراهية.

ستشتعل نارٌ لذيذة في عقولنا، ساعة نرصد فراشة تسوانغ تسو وهي تُحلّق في أحلامنا، بعد أن تستفيق من نومها عقب إغفاءة دامت لآلاف السنين، وفراشة هنري شاريير وهي تهفهف على ضمائرنا، بعد أن أتعبتها قوانين البشر ونواميسهم الظالمة.

كرة من النار ستتدحرج في الرأس لحظة نقرأ ألف ليلة وليلة ، ستكبر كرة النار وتحترق الجمجمة بلذة  شهرزاد وهي تُغوي وتُغري شهريار بكلام أنعم من حرير أصفهان.

سنحبّ الصحراء ونحن نقرأ البحث عن المكان المفقود لـِ إبراهيم الكوني، و سنخوض غمار البحر وموجه العاتي مع جلجامش أيام الطوفان العظيم , وسنعي أي ألم يُمكن للمرء أن يحتمل في سبيل حُريته ساعة نقرأ يحيى لـِ سميحة خريس.

ستأكلنا الفردوس وتبتلعنا قامتها العالية، ونحن نجلس قبالة المدفأة فصل الشتاء، نشوي الكستناء ونشرب الشاي المُنَكَّه بالميرمية، ونقرأ جريمة دوستويفسكي العظيمة وعقابه الأعظم.

سنرثي والدة سيف الدولة كما رثاها المتنبي:

نُعِدُّ المشرفيةَ والعوالي   وتقتلُنا المَنُونُ بلا قتالِ

وسنبكي على الأندلس كما بكاها أبو البقاء الرندي:

لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصان   فلا يُغرُّ بطيبِ العيشِ إنسانُ

سننطوي على ذواتنا، حزناً على مجنون تركي عبد الغني، إذ يصرخ:

عَمّا خيالٍ سوفَ تسكُنُني الطيورُ   وسوفَ تعبُرُني الجِهاتُ وأرحلُ

عمّا مماتٍ سوفَ تغمُرُني الحياة   ويستقِرُّ بي الفنـــــــاءُ الأجمــــلُ

وسنغنّي لأطفالنا كما غنّى ناظم حكمت:

وأجمل الأطفال ..

هم الذين لم يكبروا بعد ..!

وأجمل الأيام ..

هي تلك التي في انتظارنا ..!

وأجمل القصائد ..

هي تلك التي لم أكتبها لك بعد !

سنتعلم حكمة الأيام ونحن نقرأ خاتمة مُعلّقة طَرَفة بن العبد:

ستُبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلاً    ويأتِيكَ بالأخبارِ مَن لم تُزَوّد

وسنقفُ على مشهدية الموت الجميل ونحن نقرأ فاتحة من فاتحات ديوان الحلاج:

اقتلوني يا ثقاتي       إنّ في قتلي حياتـي

وحياتي في مماتي     وحياتي في مماتي

سنصعد إلى السماء مع رابعة العدوية ونُعاين الغمام، ومع بدر شاكر السياب سنحبّ المطر. سنخلعُ أحذيتنا في الحواري والأزقة، ونمشي حفاة في الشوارع ، و تصرخ من شدّة اللذة: ما أجملك أيها العالَم!.

سننتظر البرابرة كما انتظرهم سُكَّان جنوب أفريقيا في روايات كوتنزي، ومع رامايانا سنخوض الفيافي والقفار لكي نبحث معه عن حبيبته.

سنكون شهوداً على فاوست إذ يبيع روحه للشيطان الرجيم، و سنعاين تدهور إنسان العصور الحديثة للحضارة الغربية، في رواية الساعة الخامسة والعشرون لـ قسطنطين جورجيو... وذاك الإنسان الذي أبدعَ نصاً أدبياً:

بنى مُدنا وأوجدَ شموساً ..

نام في النهار و أعاد عقارب الساعة ناحية الوراء ..

عبرَ الأزقة وصعد إلى النجوم ..

جلب الماء من قمم الهملايا وهو جالسٌ في بيته .

هدمَ معالم الجاذبية الأرضية وطارَ بأبطاله إلى زمن مستحيل وأمكنة أكثر استحالة ..

فتحَ السماوات وعاينَ باطن الأرض ..

قضم تفاحة القمر وشرب عصير الشموس ..

أنامَ العقل وأيقظ القلب ..

جاب البحار وعبرها دون أن يبتلّ طرفه، ومشى على الهواء كما لو كان قديساً لم يمسسه دَنَس؛ اقتتلَ مع الأعداء وانتصر عليهم بمساعدةٍ من عوالِم الجن ..

أوقدَ ناراً عظيمة في براري الروح وبقي على صقيعه الجسماني ..

أماتَ الأحياء وأحيا الأموات ..

دبّ مع النمل على الصخور الصمّاء في الليلة الظلماء، وجاس مع وحوش البراري ديار طرائدها ..

أصابه الفرحَ ودمَّره الحزن ..

أيقظَ النباتات وأنامَ الحيوانات ..

قفز عن أعلى جبل في العالَم الافتراضي ، جبل الروح ، وغابَ في زمن سرمدي..

أثناء القراءة سيحدث لنا شيء من هذا القبيل وأكثر،  شيء يجعلنا نندمج في حركةٍ تواصلية، تشاركية، تفاعلية، تراحمية، مع الوجود الإنساني مع إمكانية إجراء تعديلات جوهرية عليه، مرةً داخل جماجمنا، ومرةً على أرض الواقع.

لنُجَرَّب الآن، ولاحقاً سنخبر أحبّتنا أننا اجترحنا المعجزة؛ لقد وُلدنا مرة ثانية –خارج نطاق الولادة البيولوجية- وهذه المرة سيبقى الحبل السري مُتصلاً بالعالَم أجمع!.