ذلك المسافر الغائب حين نترقب قدومه بشغف في صالات الانتظار، ثم نلمحه من بعيد قد أتى وقد حضر خالي الوفاض، ترى هل سيرضي أقاربه عودةٌ من المنفى بيدين فارغتين؟!

الكاتب مسافر قادم من أرض بعيدة، وصوله لا يقنع المتلهف بلا هدايا تعبر عن كده وبذله.

لذا فإن الانسياق لفعل الكتابة والانهماك في نحت الأحرف على صفحات التواصل يبدو ردة فعل لعزلة القارئ، وقد تحولت هذه العزلة مع الزمن إلى زهد جراء المعارف المنهمرة على البصر والبصيرة، فلم تعد القراءة هاجسا نخبويا في مجتمعاتنا العربية بل تكونت قناعة لدى شريحة من الناس أن القراءة متعلقة بالتخصص أو للقيام ببحث ما!

وإذا أراد القارئ أن ينتشل نفسه من هذه العزلة والغربة اللتان تحجبان أنسه، وتهطلان عليه كوابل يبث الوحشة في النفس، فعليه باستثمار القراءة من خلال التواصل بإيجابية مع رواد المعرفة وتلاقح الأفكار معهم.

كذلك لابد من العلم بأن مطالعة الكتاب هي كالتعرف على صديق جديد لا يمكن سبر أغواره من لقاء واحد، فهناك قائمة من الكتب لا تهبك شيئا من معارفها حتى تهبها ذاتك وفكرك.

إنها بطبيعتها كالقلاع الشامخة لا ترضخ لأي فاتح مالم يملك رباطة جأش وثبات قلب، فعليك بالتركيز والهدوء إن رغبت في السير تحت ظلال أشجارها اليانعة.

القارئ مَلِكٌ والقلم جند من جنوده الذي به يكتسح  القفار والمدن، وكي يستثمر هذا الجندي عليه تلخيص الأفكار والتعبير عنها بأسلوبه الخاص، وإلا ذهب عناؤه وضاعت هيبته.

إن القارئ الفطن يحوي الكثير من الأسئلة والافتراضات التي تحيل القراءة من فعل استهلاكي سلبي إلى تفاعل يتخلل سطور المقروء، وينتج معرفة وحاشية من التصورات أحدثها هذا التواصل المعرفي الخصب.

وكثيرا ما تكون نوعية القراءة عقبة كؤود1 أمام القارئ المبتدئ وهنا ينبغي التمييز بين القراءة التأصيلية للعلوم وضبطها،  فأنت بحاجة إلى مزيد من الصبر والثبات إلى أن تنهي الكتاب المقرر، وكذلك مسألة التخصص تتحكم في ذلك. أما القراءة العامة والأدبية فلست ملزما بإنهاء الكتاب إذا صادفتْ نفسك نفورا مما قد يتسبب في الانصراف عن القراءة وهو ضد مقاصدها.

ومن أوهام القراء القناعةُ باختيار وقت محدد للقراءة، والحقيقة الجوهرية أنها نمط حياة وسلوك يومي مستقر، لا ينبغي أن يقيد في غياهب الزمن.

مما سبق من معالم في القراءة الواعية ندرك أن أي تشوه فيها سيلقي بظلاله على صورة الكاتب الجيد، خصوصا إذا علمنا بأن الكتابة فكرة تستلهم من جسد المعارف التي يستقبلها الوعي،  وصياغة تمتصها الذاكرة نتيجة عدوى القراءة المكثفة، ويكتمل هذان العنصران بحضور التجربة الصادقة.

علينا أن نجزم بأن الكتّاب العظماء مهتمون بالغذاء (القراءة) فهو مصدر طاقتهم التي تزودهم بهذه العظمة.


1 كَأْدَاءُ ، شاقة المصعد ، المرتقى