ذكرى مكتبتي الطفولية المخبأة في الحقائب القديمة وأدراج الملابس تحمل في طياتها إجابة السؤال التربوي المتكرر، كيف أجعل طفلي يقرأ؟ لنتخلص من (أجعل) أولاً، فهذا المذاق الإجباري يحول القراءة إلى نشاط ممل للكبار قبل الصغار، لا أحد يحب القراءات الإجبارية حتى القارئ المتمكن.

 

   أعود لذكرى المكتبة المخبئة متسائلاً، ما الذي يجعل طفلاً يواصل القراءة في وسط غير مشجع؟ ما الذي يدفع طفلاً ما إلى التخلي عن ماله الشحيح، ووقته الذي يمكنه إنفاقه في لعب الكرة في الحارة –الثمانينات في حالتي -، مخاطراً بشيء من العزلة الاجتماعية ليقرأ؟ التفكير بهذا السؤال والإجابة عليه تسهل مهمتنا في تحبيب القراءة لطفل في وسط مشجع جداً.

 

   لا يمكن لأحد طفلاً كان أو بالغاً أن يقرأ بلا توفر (الرغبة) و(الوقت)، وعندما تضع أمام الطفل خيارات أسهل مثل التلفاز أو ألعاب الفيديو أو حتى الألعاب البدنية ولا تحصرها بوقت محدد، لا يجد الطفل وقتاً للقراءة حتى ولو امتلك الرغبة، حتى الكبار ينجرفون إلى الخيارات الأسهل، قراءة كتاب أو مشاهدة آخر أفلام هوليود؟ يربح الفيلم دوماً، فلذا توفير الوقت للطفل يبدأ بتقييد نشاطاته الأخرى والتي يجب تقييدها أساساً، فساعات من ألعاب الفيديو السريعة مضرة لذهن الطفل وعواطفه وقدرته على الاستيعاب وتقبل رتم القراءة الهادئ والبطيء.

 

   بعد توفير (الوقت) كيف يمكننا خلق الرغبة؟ تأتي الرغبة في القراءة من الخيال، لماذا يرغب بالغ في قراءة ألف صفحة من رواية تاريخية تدور أحداثها في العصور الوسطى مثلاً؟ هل هو يبحث عن معلومات عن تلك الفترة الزمنية؟ أقرب موسوعة تمنحه هذه المعلومات بطريقة سهلة ومباشرة، ما يبحث عنه القارئ هو الخيال، رحلة تخيلية إلى العصور الوسطى في إطار قصة ممتعة وشخصيات مثيرة للاهتمام.

 

   عندما يكون الطفل قادراً على التخيل، يكون راغباً في القراءة، راغباً في ملاحقة كل هذه الخيالات الطريفة أو الغريبة أو المبهرة، ولكن كيف يمكننا خلق هذه القدرة التخيلية لدى الطفل؟ هذه القدرة موجودة أساساً، لعب الطفل بالسيارات الصغيرة والقطارات والدمى أمثلة على هذه القدرة التخيلية، ولكن كيف يمكن جعل القراءة خياراً لهذه القدرة؟ يبدأ هذا بخلق جو قرائي في المنزل، تكون الكتب فيه متوفرة بشكل واضح وقريب، ويكون فيه الوالدان أو أحدهما على الأقل قارئاً، لا يمكنك إقناع طفلك بنشاط لا تمارسه بنفسك، جزء من تحبيب القراءة للأطفال يأتي من التأثر، لا يكفي أن توفر لهم الكتب وتأخذهم إلى المكتبات ليحصلوا عليها بأنفسهم، يجب أن يشعروا بشغف المحيطين بهم للكتب والقراءة، فالشغف معدٍ حتى للكبار، فعندما تلتقي بشخص ويحدثك بشغف عن كتاب ما تجد أن لديك رغبة حقيقية في الحصول عليه وقراءته، في تجربة هذا الشغف الذي يتدفق من محدثك، وهكذا الطفل يتأثر عندما يلاحظ الوقت والاهتمام الذي يبديه الوالدان حيال الكتب، ويبدأ في تقليدهم في الوقت الفارغ الذي حررناه له من التلفاز والآيباد وألعاب الفيديو وكل الملهيات الأخرى.

 

   كل ما عدا هذا مجرد تفاصيل إضافية، نوع الكتب التي يتم اختيارها للأطفال! هل يمكنهم قراءة هذا الكتاب أم ذاك؟ في طفولتي قرأت كتب تراثية قديمة وبلغة صعبة قد لا يقرأها بعض البالغين الآن، فقط لتوفر الوقت والرغبة لدي.