ورثت حبي للقراءة من والدي القارئ العظيم : عبد الرحمن عبد السلام ، الذي مازال يجد لذته بين دفتي الكتب ويقتنيها بشغف رغم انشغاله الدائم وضيق وقته إلا أنه يجد لها دائما بعض من الوقت .

بدأت القراءة عندما كنت في الحادية عشر من العمر ، حيث كنت أقرأ سلسلة رجل المستحيل بكثير من الحماس والحب والشغف بهذا الشخص الخارق العظيم القادر على عمل الكثير ، أدهم صبري كان هو عالمي الطفولي الجميل ، وكنت أجد متعتي الحقيقية في قراءة سطور د. نبيل فاروق وحديثه عن مغامرات رجل المستحيل المليئة بالذكاء والمواقف الصعبة التي يخرج منها مثل خروج الشعرة من العجين !

وكما شكل نبيل فاروق عالم طفولتي الجميل بمغامرات أدهم صبري فإن مراهقتي تشكلت عبر قراءات أخرى حيث كنت - انا واختي - نقضي إجازاتنا المدرسية الطويلة في قراءة سلسلة " ألف ليلة وليلة" وحكايا شهرزاد للملك شهريار ، وكذلك روائع الادب العالمي ، كجين اير والرجل والسلاح ومسرحيات شكسبير وبالتأكيد قضيت ليال طوال أقرأ الأدب المصري ، فيوسف السباعي والعقاد وطه حسين ومحمد عبد الحليم عبد الله وإحسان عبد القدوس والكثيرين كانت روائعهم تمنع عيناي من النوم باكراً بل أحياناً (يداهمني) والديّ متلبسة بقراءة روائعهم وأنا لم أنم طوال الليل !

3a19fd2359a614c7ac8dedbd91aa3f70

مما جعله أحيانا يعزف علي وتري الحساس بتحفيزي للقيام برحله إلى المكتبه إن قمت بعمل أشياء معينه، تلك كانت أروع أيام حياتي وكنت وقتها مثالية جداً في نظر والديَّ اللذان غبطا حبي للثقافه والقراءة .

وكما قضيت طفولتي ومراهقتي في القراءة فإن شبابي بالتأكيد وعمر العشرين الجميل الذي لم أبرح بعد ، أدى بي إلى إدمان القراءة وأصبحت جزء من عاداتي اليومية ، وبالتأكيد قراءاتي اختلفت وسفينتي أصبحت تمخر عباب مختلف العلوم ولم تعد حصراً علي مجال الرواية والقصص والشعر وغيره ، بل أصبحت أقرأ كتب بأحجام مختلفة  وفي علوم شتى، وبدأ عشق جديد وأفكار قرائية مختلفة ، والقراءة بسرعات مختلفة وحتى تلك الكتب التي لا أحب علومها ولا تثير اهتمامي أصبحت أخوض جلسات نقاش فيها وأخرج من تلك الجلسات بالكثير من المعلومات والفوائد التي لا تخفى علي لبيب، بل إنني وجدت كل الجمال في هذه النقاشات الثقافية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ عن القراءة .

وبعد خمسة عشر عام، قضيتها بين رحاب الكتب وجدت أن مداركي قد تفتحت ، وأرائي دُعمت بالأدلة ، وروحي أصبحت أهدأ وأنضج وأوعي وأكثر تذهيباً وتلهفاً للعلم والمعرفة ، وصارت " ونساتي " مع الاهل والاصدقاء والمعارف لا تخلو من الكتب والمعلومات التي تجعلني أسمع ذات السؤال المبطن بالاعجاب : كيف تعرفي كل هذه المعلومات والأشياء ؟!

وغالباً ما تكون اجابتي لقد قرأتها في الكتاب الفلاني ، ولعل عامة معارفي يعرفون إدماني للكتب والقراءة وتجربتي التي امتدت طوال حياتي، أصبح رفيقي الكتاب الذي آنس به وأحن إليه ، وأجد بين أروقته الكثير من السعادة والإجابات التي طالما سألت عنها بلا إجابة .

وفي ختام هذه التجربة التي لم تنتهي بعد وجدت أنها كانت من أروع التجارب التي تعلمتها في حياتي وقد استمتعت بها أيما استمتاع ، ولعل والدي كان موسوعتي التي مهما اغترفت من علومها وتجاربها تظل قطرة في بحره ، ولعلني يوم ما  أستطيع أن أضع بصمة في هذه الحياة ونشر الوعي فأكون بذلك قد زكيت وعيّ وأفدت البشرية بشئ.