إذا كتبنا (تعريف القراءة) في محرك بحث جوجل فسيظهر لنا على رأس القائمة التعريف التالي:"القراءة عملية معرفية تقوم على تفكيك رموز تسمى حروفا لتكوين معنى والوصول إلى مرحلة الفهم والإدراك." ولتتمة التعريف السابق بالويكيبيديا ارتباط باللغة، التواصل، الإدراك، الكتابة، الثقافة والمعلومات. ولكن اسمح لي عزيزي القارئ بأن نتشارك معا تعريفا طريفا للقراءة في هذا المقال.

لنتخيل معا بأن النَّص المكتوب عبارة عن مرآة تعكس شيئاً مبهما، إلى حد ما، في ثقافتنا المحلية. هذا الشيء عبارة عن بناء متكامل يمكن تشبيهه بالرسم الهندسي الذي يقوم به المعماريون قبل أن يشرع البناؤون في تأسيس القواعد وتشييد البنيان. يماثل هذا البناء المنعكس على النَّص في عالم القراءة عالما آخرا سنتفق على تسميته بعالم الأفكار. ولن نخوض في تفاصيله المتشعبة حيث أن الوسيط التواصلي الذي نستخدمه - المقال بين يديك - لا يحتمل ذلك. سنقتصر على تعريف موجز لجيمس يونغ قال فيه:" الفكرة ليست سوى مزج جديد لعناصر قديمة." وسنستعرض سوية، ما يهمنا في المقال، حول مستويات الفكرة المصنفة كالتالي:

-        فكرة بسيطة.

-        فكرة معقدة.

-        فكرة شديدة التعقيد.

-        فكرة عظيمة.

 

وحيث أن مستويات الفكرة هي بيت القصيد في المقال، فلنحتفظ بصورة البناء المتكامل المنعكس على المرآة كحجر زاوية متفق عليه. ولننتقل لصورة أخرى تقرب لنا مستويات الفكرة بتخيل البسيطة منها على هيئة حبة عنب، والمعقدة كعنقود عنب، وشديدة التعقيد كشجرة من عناقيد عنب، وأن الفكرة العظيمة هي غابة كثيفة من أشجار عنب. لنعد الآن إلى النَّص -أو للمرآة التي اتفقنا عليها مجازا- سنلاحظ أن عملية القراءة تتحول إلى محاولة القارئ لتلمُّس الفكرة الأساسية المنعكسة على المرآة، كبناء متكامل عَمِل الكاتب على تحضيره قبل أن يشرع في صياغته. وبالتالي تصبح عملية القراءة غير مقتصرة على التحديق في الصورة المنعكسة على المرآة وإنما تتجاوز ذلك للالتفات نحو الفكرة وبنائها ومن أي المستويات هِي. بطبيعة الحال أن ذلك سيبحر بنا في آفاق لا متناهية من الاستكشاف، الاستمتاع والترقي. إذ أن محاولة فهم الفكرة يرتبط بـ:

-        فهم الثقافة التي نتجت منها.

-        تجربة كاتب النَّص وخلفيته الثقافية.

-        المنظومة الفكرية التي اجتزئت منها.

-        الزمان والمكان الذي ترعرعت فيه.

-        تمييز الأفكار البسيطة من المعقدة من العظيمة.

وكما ترى عزيزي القارئ ستتحول القراءة بهذا المنظور المغاير إلى رحلة ماتعة، شيقة ومثرية في بحر واسع عميق.

لن يقف الأمر عند هذا الحد في الرحلة التي تبدأ ولا تنتهي. بل ستتطور لدى القارئ، مع الهِمَّة والمران، قدرة تحسس الأفكار السطحية. والتي تستنزف كثيرا من الوقت والجهد عندما تُعرض في وسيط تواصلي لا يتناسب معها دون مردود يذكر أو إضافة تفيد. كعرض فكرة بسيطة في رواية من مئة صفحة! أو محاولة حشر فكرة عظيمة ضمن مقال قياسي لا يتجاوز الصفحتين!

خلاصة القول، أننا نتفق مع التعريف المذكور برأس المقال بيد أن هناك تعاريف طريفة أخرى للقراءة تفتح لنا نوافذ وأبواب قد تبدو مغلقة للوهلة الأولى. خاصة عندما تتحول زاوية النظر من التحديق في حبة عنب صغيرة بين إصبع إبهام، سبابة ووسطى إلى التأمل في غابة كثيفة من أشجار العنب خلف النافذة التي شُرعت عند تغير طريقة القراءة. بل والنهوض للتجول في تلك الغابة الشاسعة!..