كثيراً ما أواجه سؤال، ماذا أقرأ؟ أو ماذا تقترح علي أن أقرأ؟! سؤال لم يجد عندي كل من سألنيه أي جواب شافي، لأن القراءة لا تعتمد على المادة المقروءة فقط، إنما على القاريء جزء كبير ودور هام في اتساق النغم الذي يجب أن يكون بين القاريء والمادة المقروءة. القراءة عملية إبداعية يستخرج القاريء من خلالها المعاني الكامنة خلف الحروف المتراصة أمامه، وتعتمد هذه المعاني المستخرجة من النصوص على التكوين النفسي، والخلفية الثقافية والإجتماعية للقاريء، وقدرة القاريء على فهم اللغة واستخداماتها، لأن الحروف مجرد قشور، والمعاني ثمار كامنة تحتها. وهذا ما يفسر اختلاف الآراء حول الكتب، فهذا يجد ذاك الكتاب ممتع وآخر يقرأه ويجد أنه بلا معنى وآخر يجد أنه كتاب مفرط في السوء. وهذا دليل على انعكاس طبيعة القاريء والعوامل السالف ذكرها على المادة المقروءة من خلال القاريء.

لذلك أجد أن القراءة مسألة شخصية غارقة في الخصوصية يجب على القاريء أن يخوض غمارها بنفسه لبناء بنية فكرية تأخذه في المسار الذي يريد، في كسب المعرفة والنفاذ إلى عوالم أخرى واستكشاف العقول والحضارات المختلفة حتى يتخلص من عداوة ما يجهل وبذلك يصبح متصالح مع الآخر متوازن المشاعر بين ما يؤمن به وما يؤمن به الآخرون. هدف القراءة هو بناء شخص مستقل بذاته، مفكر بأسلوبه الخاص، واثق من رؤيته وآرائه، وفي هذا يقول الروائي هاروكي موراكامي "قراءتك لما يقرأه الآخرون يعني أنك ستفكر تماماً كما يفكر الآخرون". أي أنك لن تكون أنت إن لم تبني قاعدتك الفكرية بذاتك، وإنما ستكون مجرد نسخة من غيرك لا أكثر.

على القاريء أن يعي أن طريق القراءة المؤدي إلى الوصول إلى هذا الهدف لا يكون إلا بجهد تراكمي مفيد دومًا بالضرورة، فليس هناك كتاب غير مفيد! الكتاب الذي لا يعجبك موضوعه مفيد والكاتب الذي لم ترق لك كتاباته أيضا مفيد، لأنه اختصر لك الطريق وأدى بك إلى اكتشاف جزء من ذاتك قد كنت تجهله ،فلا تكن أول تجربة سلبية مع كتاب لم يستهويك محبطة،واعلم أنك خرجت من هذه التجربة بمعلومة مهمة هي أن (هذا النوع من القراءات لا يستهويني) وبذلك تقلصت أمامك الخيارات واتضحت رؤياك أكثر.

القاريء الذي لا يريد أن يقرأ إلا ما يوافق أفكاره، ويبقى متهيباً خوض غمار قراءة الأفكار المخالفة له لن يجني من القراءة سوى الجهد والتعب، ولن يتقدم في طريق المعرفة قيد أنملة، لأن القراءة التي لا تؤدي بك إلى طرح الأسئلة، إنما هي قراءة بلا هدف، لا تعينك إلا على تثبيت نفسك داخل دائرة الجهل. الأسئلة هي شعلة التعلم والمعرفة ومن خلالها ينير القاريء درب المعرفة المزمع المسير من خلاله للوصول إلى الحقيقة، وفي هذا يقول كافكا "على المرء ألا يقرأ إلا تلك الكتب التي تعضُّه وتخزه. إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا فلماذا نقرأ الكتاب إذاً؟ ... يا إلهي، إننا نحتاج إلى الكتب التي تنزل علينا كالبليّة التي تؤلمنا، كموت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا، التي تجعلنا نشعر وكأننا طردنا إلى الغابات بعيداً عن الناس، مثل الإنتحار. على الكتاب أن يكون كالفأس التي تهشم البحر المتجمد في داخلنا. ويقصد أن الصدام الفكري الأولي بين الإنسان وبين مايخالفه تماماً كالبليّة يولد شعوراً مؤلمًا كموت أحد نحبه وهذا طبيعي وكما يقال، لن تجني الورد بدون وخز الشوك! لجني ثمار القراءة وجعلها محقِّقَة للتحول الإيجابي، الفكري والمعرفي وبالتالي النفسي على الإنسان، يحتاج القاريء أولا: أن يتجرد ويتحرر من أي آراء مسبقة سمعها عن فكرة أو مضمون ذلك النص أو فكر ذاك الكاتب، يجب أن يبدأ طريقه بفكر حر، وقد أستخدم هنا مجازاً ماقاله جبران خليل جبران "العصفور لا يبني عشاً في القفص، حتى لا يورث ابنه العبودية"، فلا تبني عش أفكارك في قفص الأيدلوجيات والآراء المعلبة فتورثها العبودية. ثانياً: يجب أن يعطي القاريء القراءة حقها من الوعي والجد والتركيز، فكل فكرة قيمة ومعلومة مفيدة تحتاج لإدراكها من جميع جوانبها بالتأمل في أبعادها ومعانيها الكامنة، وحتى تؤتي أُكلها يجب أن تثبت عميقاً في الذاكرة بوضع الملاحظات والتعليقات المناسبة والإشارات التي تؤدي إلى الرجوع إلى هذه المعلومة بسهولة عند الحاجة لربطها بنتاج قراءاتك الأخرى أو مقارنتها بما يناقضها أو مايدعمها حتى تستطيع تكوين الصورة الفكرية الخاصة بك، وتكتمل بذلك قطع الأحجية وتظهر الصورة ولو بعد حين. بهذا ينفض الإنسان عن نفسه غبار الجهل، فيصبح صعب الإنقياد أو الإذلال، متحرر من أي عبودية فكرية. والحريّة بذاتها حياة لذلك كانت القراءة مثل التنفس، وظيفة حياتية أساسية .