السير فوق الماء مهمة مستحيلة في الواقع لكن تفسيرها في الحلم هو اليقين بعد الشك، والتحرر من المخاوف والهواجس .. وما يعرضه ديريك جنسن، الكاتب الأمريكي والناشط في مجال البيئة، من خلال يومياته داخل الفصل الدراسي يحقق المعنيين معا.. أي وهم السير فوق الماء الذي تعدنا بها التصورات الرائجة عن التعليم والكتاب والحياة ثم تبديد الوهم عن طريق إعادة اكتشاف ذواتنا وإثارة التساؤلات المختزنة في الذاكرة منذ اقتحامنا الطفولي المحموم لحجرة الدرس.

إن أهم الأشياء التي تعلمتها في المدرسة، يقول جنسن هي كيفية إضاعة الوقت والحرص على توجيه الأسئلة إلى أصحاب السلطة بطريقة مراوغة، خوفا من حرماني من الحصول على درجات .. باختصار تعلمت أن أخون نفسي وأقوم بتعريتها .. وسبب ذلك أن النظام التعليمي يعتبر الغرض الأساسي من المدرسة هو مساعدة الأطفال على التعلم دون أن يأبه لنوعية الأدوات أو الكيفية الصحيحة في تكوين الأفراد.. لذا تستمر المدرسة حتى اليوم في ترسيخ مغالطة كبيرة حين تلقن الطلبة المعلومات ولا تعلمهم السلوك وحسن التصرف. وتبقى أفضل طرق التدريس وأصعبها في الآن نفسه.. هي أن تتخلى عن دفاعاتك الشخصية وتحاول فهم تجارب ومشاعر الآخرين باعتماد وسيلة حيوية هي البوح بكل تساؤلاتك لتوضيح حيرتك وارتباكك.

قادت الخبرة التي حصلها جنسن في مجال التعليم، سواء بجامعة واشنطن الشرقية أو في السجن الحكومي إلى اكتشاف أن إعادة بناء المصداقية في التعليم تتطلب سلسلة من المحاولات المضنية للبحث عن الأشياء البسيطة والمقنعة التي تبنى عليها الدروس مع التركيز على قول الحقيقة الإيجابية للطلاب، والاهتمام بالإطراء والثناء دون تفريط في النصائح الفنية والعملية:" إن وظيفتي لا تعني القيام بتعليمك أي شيء، وإنما كيفية خلق الجو المناسب الذي تستطيع من خلاله أن تعلم نفسك".

تولى جنسن تدريس طلابه فن الكتابة .. ورصد القواعد التي تحدد أروع ما في تفاصيل حياتهم من منطلق أن الإنسان حكّاء وراوٍ بطبعه .. وما يحتاج لتعلمه ليس كيفية الحكي وإنما أن يكون ما هو عليه بالفعل.

فالكتابة الجيدة أو حتى مجرد سرد قصة لا يتطلب اختراع شيء خيالي وغير ممكن، وإنما يتطلب ببساطة أن أكون نفسي قدر المستطاع .. وأهم شرط للكتابة الجيدة ألا يشعر القارئ بالضجر وأن تكون الإثارة سبيلك لأن تصيبه ببعض الطلقات النارية في الصفحات العشر الأوائل .. ينبغي أن تستحوذ على انتباه القارئ بكلمات مفيدة وممتعة وحوار بمستوى رفيع..  فمن الأشياء التي جعلت أفلام الأربعينات و الخمسينات أفضل من أفلام اليوم هي أن معظم كتابها كانوا روائيين ويجيدون بالتالي رسم الشخصيات .. أما في أيامنا هذه فمعظم الكتاب من خريجي معاهد السينما أو دارسي الإعلانات الذين برعوا في استخدام الصور المدهشة لإيهام المشاهد.. لكنهم لا يعرفون كيفية كتابة الحوار.

تتطلب الكتابة الجيدة كذلك قدرتك على اكتشاف نفسك وتحديد الأسباب التي تجعلك سعيدا كي تناضل من أجل تحقيقها .. فالحضارة الصناعية حولتنا من إنسان نابض بالحياة إلى إنسان آلي وقوى عاملة مطيعة ولينة .. لذا نشأنا داخل نظام يفصلنا عن وجداننا ويخلع عنا إنسانيتنا.. والسبيل الوحيد لوقف تلك الانتهاكات المخزية التي تحدث لقلوبنا وعقولنا هو تدريب أنفسنا مجددا على المضي في طريق النجاح ومطالبة الآخرين بإفساح الطريق !

والاهتمام الكامل بالتفاصيل درس كذلك من دروس الكتابة.. إذ ينبغي العناية بالدقة في وصف الأشياء لجذب انتباه القارئ والتمسك بكل ما هو حقيقي لتصبح الكتابة شيئا جميلا.. إن خدعتها الأساسية هي أن تكتشف المكان الذي يختبئ فيه قلب الشخص الآخر ثم العمل على مساعدته للوصول إلى ذلك المكان.

وعن الشعور بصعوبة الكتابة يقول جنسن أن ذلك نتاج عدم امتلاك معلومات كافية ورؤية الموضوع من مختلف زواياه وافتقاد الكاتب لرؤية الأشياء وفقا لعلاقاتها الصحيحة حتى يكتمل المشهد في مخيلته .. ومن الأشياء المهمة التي تعلمها جنسن طوال خمسة عشر عاما من الكتابة هي كيفية الحفاظ على ألا يفقد الكاتب الفكرة أثناء عمله وإلا سيصبح الأمر محبطا وعديم الجدوى لأن المرء يكتب بعقله لا بجسده.

ومن الكتابة إلى الحياة يوجه جنسن نقده المحموم لنظام السيطرة المتولد عن الحضارة الصناعية .. ذاك النظام الذي فجرت آليته كل جزئيات الحياة بما فيها القلب والجسد وامتدت علاقاته القهرية إلى نظام التعليم.. فتشرّب الطلاب خبرات الظلم والاضطهاد .. سواء من لدن الوالدين أو المدرسين أو كل أشكال السلطة المختلفة.. وكانت المحصلة هي الوصول بالناس إلى أن يكونوا أشخاصا آخرين غير أنفسهم وهو أمر لا يمكن الإفلات من شركه إلا بالسير فوق الماء.

كيف ذلك ؟

يقول جنسن:" يجب أن تتبعوا قلوبكم. إن أكثر الأعمال الثورية والأخلاقية التي تستطيع القيام بها لمساعدة الآخرين هي أن تساعدهم على اكتشاف قلوبهم الحقيقية، أي اكتشاف شخصياتهم، والعمل على تعريفهم بآرائهم ومواقفهم ، ومساعدتهم على اكتشاف أنفسهم".

نحن الذين نصنع اختياراتنا حسب رؤيتنا للعالم .. وإذا كانت حضارة اليوم مبنية على الخضوع فيجب أن ننتبه للمشاعر والسعادة النفسية حتى لا نصير عبيدا للسلطة والصفوف والتقاليد.

عبر الدروس التي ألقاها جنسن على نزلاء السجن وطلاب الجامعة وفق منهجية متحررة من صرامة النظام التعليمي.. نتابع ذاك الطرق الخفيف والمؤلم على عقول كادت تفقد الإحساس بأجسادها كما نستشعر تلك الدعوة الحارة لتمرين علاقاتنا الفقيرة على استعادة إنسانيتنا المقترنة دوما بجدوى الحياة المشتركة على هذا الكوكب .

إن السير فوق الماء لا يحتاج سوى لعقل موضوع في مكانه للقيام بوظيفته على نحو جيد !