إيملي، بلجيكية تخرجت حديثا من الجامعة، وتعلمت اليابانية وقامت بكل ما يجدر به فعله للعمل كمترجمة في شركة يابانية، والتي في الأخير كانت شركة يوميموطو.

تحكي حكاية الذل والنزول المتكرر في سلم الوظائف بسبب أداءها الهزيل المبرر منطقيا لأنها لم تحظى بوظيفة أحلامها، وتحكي كيف يجري العمل وعالمه في اليابان بشكل ساخر وممتع.

الرواية كلها جرت في مكان واحد فقط وهو مبنى الشركة، وفي أزمنة مختلفة، وهذا يدل على خيال واسع لدى الكاتبة البلجيكية إيميلي نوتومب.

أيضًا هناك قاسم مشترك بين الكاتبة والشخصية الرئيسية ألا وهو الاسم، والذي في الأخير نستنتج منه أن الرواية عبارة عن تجربة شخصية للكاتبة.

المقدمة غبية تجعلك تتيقن أن صاحبها يظن أن القارئ قرأ الرواية وأنهاها. الأصل في المقدمة أن تكون عبارة عن تقديم بسيط للرواية.

لا داعٍ للتطويل ولا داعٍ لذكر أمور سيكتشفها القارئ وحده، لا أعلم هل الملل الذي يصاحب قراءة المقدمة متعمد أم لا؟ لكن الأحرى في المقدمة أن لا تتحدث عن أمور لم يخضها القارئ بعد، بالتالي لن يفهمها وسيصيبه الملل من قراءتها!

الترجمة رائعة، أحيي أبو بكر العيادي على جهده المميز، لكن توجد بعض الكلمات الصعبة التي يضطر القارئ أن يبحث عنها،والتي من الأحرى أن يوضع لها هوامش في الكتاب.

(سأحاول نقد الترجمة دومًا عندما يكون الكتاب مترجما لكي نوفي حق المترجم أيضا فهو إنسان تعب لكي يحول اللغة بإتقان، وأغلب المراجعات التي قرأتها لا يذكر فيها المترجم وهذا سيء).

لا أنكر وجود الهوامش لكن هناك كلمات تم نسيانها وما الفضول إلا دائم الحضور عند وجود كلمات يابانية.

من بين العناصر الجامدة متكررة الحضور هي المصعد الذي بدأت به أحداث الرواية، والذي بدأ منه جحيم العمل الذي ستعاني منه إميلي.

وحتى الغلاف كان معبرا عن أزرار الطوابق في المصعد لا أعرف بالضبط ما دلالة الغلاف لكنني أراه جميلا.

وأيضا من العناصر المتكررة، النافذة المطلة على منظر المدينة، هذه النافذة كانت تعتبر متنفسا لإيملي من ضغوطات العمل، لجمالية المنظر وعلو الطابق الذي تعمل فيه.

جمالية الرواية تكمن في التشويق ومتعة السرد، وغرابة الأسماء والمفردات، وبعض العبارات التي تجعلك تحب الرواية بحق.

أما عن "ذهول ورعدة" فهما الحالات التي يجب على المرء أن يقابل بها الإمبراطور احترامًا له وتجليلا له، وهي دلالة أن رئيسك في العمل يجب أن تعامله بنفس الطريقة في اليابان.

وهو ما فعلته إيميلي في آخر الرواية، يعني كل عامل في اليابان يعتبر ضحية لرئيسه، يخضع له دون نقاش لكن إميلي طيلة فترة عملها كانت تناقش وتعترض وتغضب جلاديها.

توصل الرواية رسالة أن الشعب الياباني عبد للعمل، عبد للضغط، وتقديم الأفضل للشركة، وعلى تأثير العمل تتغير شخصية الآخرين وتصبح قاسية عصبية تمارس غضبها على الآخرين.

كما جرى لإميلي فقد انصب عليها الغصب مرارا وتكرارا وكل مرة ينصب عليها الغضب تنزل قليلا في وظيفتها إلى أن وصلت إلى وظيفة العاملة في دورة المياه بعد أن جاءت من الجامعة متخرجة آملة في العمل كمترجمة.

الرواية غريبة بحق، كيف لشركة تقبل بفتاة حديثة التخرج، أن تصبح عاملة في دورة المياه، هذه الغرابة هي المتعة بعينها وهي وسيلة إيصال الرسائل في الرواية.

والرسالة الأخرى أن بعض العمال ولو تغيرت شخصياتهم إلى شخصية "الجلاد" كما وصفت في الرواية، ستبقى فيهم ذرة الكره تلك إلى الوظيفة وعبودية العمل وظلم الآخرين.

وهذا يعبّر عن ضعف ووهن، حتى رئيسة إميلي وجلادتها تكون ضحية أحيانا لجلاديها فإزدواجية الأدوار بين دور الجلاد والضحية في نفس الوقت تتكرر في عديد من المواقف.

والرسالة الأخرى هي تلك الأنانية الخرقاء التي تنطبع على الموظف بعد أن يأخذ مبتغاه. إميلي قامت بعمل خارج عملها بالتحالف مع أحد الموظفين لكي تبرز مدى جدارتها وتحضى بترقية في الوظيفة.

لكن رئيستها قامت بعرقلة الخطة لأنها تعبت من أجل وظيفتها الحالية سنوات عديدة، لذا يجب على الآخرين أن يتعبوا مثلها وإلا فلا.

ما جعلني أستغرب هو أن الصورة المعروفة عن اليابانيين وذلك الكوكب، غير ما صورته الكاتبة في روايتها، احتقرت الشعب الياباني حقا بعد قراءة الرواية، لهذا الحد هم عبيد للعمل؟

كالعادة مسكيلياني تبدع في اختيار الكتب للترجمة، كل ما قرأته لهذا الدار حاليا أعجبني، تلك العناوين النادرة إن قرأت واحدا منها فاعلم أنك في دار مسكلينياني.

استمتعت بالرواية، بدأت أتشوق للقراءة المزيد للكاتبة، والمزيد عن اليابان وأدبه، فلا تتحمس للطعام إلا إذا ذقت القليل منه وقد ذقت ما يكفي لكي أحكم.

يجدر الإشادة أن الرواية مستخصلة من تجربة خاضتها الكاتبة إميلي في اليابان، هذا مذهل صراحة، أن تحول تجربة حياتية إلى رواية خيالية.

تم نشرر الكتاب عام 1999 وفازت به بجائزتين، ثم ترجم من طرف المترجم التونسي أبو بكر العيادي في سنة 2012 بطبعة أولى لدار الهيئة المصرية العامة للكتاب، ثم في سنة 2016 بطبعة ثانية لدار مسكلياني التونسية.