اليوم هو الخميس، والساعة الآن تشير للسابعة مساء. ونحن نتحلق حول طاولة خشبية مستديرة تفوح منها رائحة قهوة موزعة على ستة أكواب بيضاء. نحن ثلاثة شباب وأربعة فتيات نتجمع كل أسبوع في مقهى شهير بشمال جدة لنتجاذب أطراف أحاديث لا يجمعها رابط سوى الرغبة في التواصل مع بشر نعرفهم.

" لماذا نقرأ الروايات؟" يباغتنا عادل أكبر الحاضرين بسؤاله وهو يمسح زجاج نظارته السميكة المغبشة من ارتفاع رطوبة المكان. وتباغته آسيا المتحمسة بإجابة فورية مقتضبة: "أنا أتعرف من خلال الرواية على الناس كما هم." ثم ترفع كوبها لترشف منه.

عادل يتبسم بوجه آسيا ثم يحول بصره صوب إحسان، فينطلق لسانها قائلة: "شخصيات الرواية وأحداثها ترتبط بحياتي اليومية. وذلك يمنحني مساحة للتنبؤ بما يمكن حدوثه في حياتي وما الخيارات المتاحة للتعامل معه على ضوء ما يحدث لشخصيات الرواية من مواقف معقدة." ثم ابتسمت في وجه عادل وبقية الجالسين.

"هراء، لا أرى سوى أن الرواية هي مضيعة للوقت." يفاجئ ياسر الجميع بمقولته! فلم يتوقع أحد أن تصدر من ياسر، دودة الكتب، عبارة كتلك! وهنا بالتحديد يضحك صالح، يتنحنح، ينظر له عادل شزرا، فيشير صالح بسرعة ناحية سلوى التي حدقت فيه متعجبة من أسلوبه في التوريط. تتنفس سلوى بعمق وتقول:"هممم.. ردة فعلك غريبة جدا يا ياسر. فما أسمعه عنك هو أنك تقرأ أربعة كتب أسبوعيا. وما أتعجب منه فعلا أن الروايات لم تنل نصيبها من قراءتك. يهمني أن أجيب على سؤال عادل الآن، أنا أقرأ الروايات لأنني أستمتع بمهارة الكتاب وهم يخلقون الشخصيات ويضعونها بأسوأ المواقف تصارع كما هو موقفنا على هذه الأرض تماما!"

يصفق صالح لسلوى فورا. ثم يشير بأصبعه ناحية أماني. تضحك أماني بصوت عال وهي ترمق صلاح بنظرة من فهم حيله. تتنحنح وتجيب بصوت ناعم هادئ: "في الحقيقة أنا أم وموظفة أيضا. عقلي لا يهدأ لكثرة المهام والضغوط بالمنزل وخارجه. قراءة الرواية فرصة ذهبية لأنفك من ضغوطات العقل. قد تسألون كيف؟ والجواب ببساطة أن الرواية تصنع عالما موازيا يفصلني عن واقعي اليومي الرتيب." وتشير أماني قبل أن تنه كلمتها الأخيرة بسبابتها لصالح ويضحكوا سويا. هنا يشير صالح لياسر حتى يبرر موقفه، فيكتفي ياسر بإشارة اعتراض بيده مع عبارتين فقط:" لست مجبرا على أن أبرر لأحد ما أؤمن به. يكفي أنكم تتحدثون عن عالم خرافي لا منطق فيه ثم تصطدمون بالواقع المُرّ." يضحك صالح مرة أخرى بصوت أعلى هذه المرة. فينقر عادل على الطاولة بأصبعه لتهدئة الوضع. يتنحنح صلاح ثم يقف كأكاديمي ماهر بقاعة محاضرات مكتظة ويقول:" ربما يكون كلامك صحيحا يا ياسر من منظورك الشخصي، أما أنا فأبحث عن نفسي في أبطال الرواية، فغالبا ما تكون هناك شخصية تشبهني بشكل عام أو جزئي، وفكرة أن أراقب كيف يتفاعل البطل مع الواقع تجذبني. الروايات إذا افترضنا، جدلا، بأنها أساطير وخرافات لا علاقة لها بالواقع، إلا أنها تبني عندي تصورا لعالم لم أجربه من قبل. عالم لم يسبق لي دخوله بالماضي كما أن فرص دخوله بالمستقبل ضعيفة، مثلا: عالم عصابة مخدرات، عالم دبلوماسيين، عالم مزارعي أرز بمنطقة استوائية وهكذا.. واسمعوا لهذه الخاصية الساحرة في عالم الروايات يا رفاق خاصة أنت يا ياسر. الرواية تتيح لي فرصة نادرة بالاطلاع على القصة بعين لها قدرات تفوق قدرات البشر! نعم، لا تتعجبوا، فالرواية تعطيني تذكرة دخول مجاني لعقول شخصيات كثر والوجود في أماكن يستحيل وجودي بها في الواقع الملموس، مثلا: ما هي مشاعر الشخص الذي تبقى على شنقه عشر ثوان قبل أن يرفع حبل المشنقة وبماذا يفكر حينها!.."

"أحسنتم جميعا" هنا يقاطع عادل صلاح وهو يصفق للجميع. تسأل إحسان عادل ممتعضة: "تسألنا وتسمع إجاباتنا ... وأنت، ماذا عنك؟" يضحك عادل ثم يعدل نظارته وجلسته ويقول:" إجاباتكم رائعة وغنية. ولن أضيف سوى نقطة واحدة فقط أترك لكم فرصة سبر أغوارها وهي تأثير الرواية على اللا واعي... فقط!"

الآن يقوم عادل، ويقوم الجميع معه. فقد تأخر الوقت وبدأ العمال ينظفون المقهى ويطوون الطاولات ويقلبون الكراسي. كما أن آسيا وإحسان تتثاءبان فيقرر الجميع أن وقت الرجوع لمنازلهم قد حان.

أقرر أنا عند هذه اللحظة أن أقلب الصفحة الأخيرة بالفصل الخامس لسيرة السيد عادل الذاتية، أحد أعظم مثقفي مدينته، والتي قدم لها وكتبها السيد صالح رفيق دربه، وراجع النص بشكله النهائي السيدة سلوى..