بدايةً.. دعني أقول لك بأن كلمة “تكره” ربما تكون كلمةً ثقيلةً لما نحن بصدد الحديث عنه. أستطيع أن أتذكر عددًا ضئيلًا من الكتب التي كرهتها حقًا. لأكون صادقًا؛ لا أتذكر أي كتابٍ كرهته في هذة اللحظة، ولكن سأوافيكم بالخبر لو تغير الأمر. إن الكتب التي نتحدث عنها هي التي قرأتها وشعرت فقط أنها ليست لك. ربما كانت القائمة المطلوب منك قراءتها في المرحلة الثانوية، أو كانت معنونة بنوع الكتب الذي لا تطيقه أبدًا، أو كانت كتبًا تشغل حيزًا على رف “دي ان اف” (أي “الكتب المعلقة” التي لم يستهوِك إكمال قراءتها) في مكتبة عقلك. عمومًا، هي الكتب التي أقسمت ألّا تقرأها مرةً أخرى، ولهذا تحديدًا ينبغي عليك قراءتها، نعم مرةً أخرى. ربما تتساءل: هنالك العديد من الكتب في هذا العالم تنتظر مني فقط أن أتفحّصها، لم علي أن أقرأ كتابًا لا أحبه؟ هذا سؤالٌ عظيم، وكم هو أمر عظيمٌ أيضًا أننا تواجدنا هنا لأنني سأجيبك. هنا ستة أسباب لأهمية أن تقرأ ما تكره، أو هذا ما تظنه الآن على الأقل.

1- لعلّك لا تكرهها في حقيقة الأمر ..

مع بداية هذه السنة أخذت على عاتقي مهمة؛ وهي أن أقرأ من جديد كل الكتب غير المفضلة بالنسبة لي من المدرسة الثانوية. الكلاسيكية منها مثل (غاتسبي العظيم) و (الحارس في حقل الشوفان) و(الناقوس الزجاجي) التي عانيت منها منذ الصف التاسع حتى الثاني عشر. وكالرفيق السيء؛ شعرت بسعادة غامرة عند تخلصي منها آنذاك ولم أرغب بقضاء وقت آخر معها. إذًا لماذ؟ بعد مُضيّ عشر سنوات، هل كنت بحاجةٍ لشراء طبعات جديدة من كتبي الغير مفضلة من جديد؟ ربما للتحقيق الأدبي، أو كنت بحاجة لموضوع شيّق لمقالتي الجديدة، من يعلم؟ المهم هنا، أنني اقتنيت طبعات جديدة من كتبي الغير مفضلة وقضيت عطلةً أسبوعيةً طويلة في قراءتها مرةً أخرى. أراهن بأنك لن تتوقع ما حدث، أحبّت عينا سنواتي العشر الأخيرة تلك الكتب كثيرًا. إنها كتب ممتعة، حماسية ومشوقة، استمتعت بقضاء وقتي مع شخصياتها. وما زلت أدرك مالذي لم أحبه فيها أول المطاف، ولكني وجدت أن القليل منها لا زال كذلك في نظرتي كبالغ. -هذا لا ينطبق بالتأكيد على مثال الرفيق السيء- لذا.. فالسبب الأول لم عليك أن تقرأ كتبًا تكرهها؛ لربما تتفاجأ بأنك لا تكرهها فعلًا كما كنت تظن.

2- إنها طريقةٌ رائعة لقياس نضجك، كشخص وقارئ.

في حين أنني لا أعيد قراءة الكتب كما ينبغي -فهناك العديد من الكتب الجديدة التي لا تقاوم على الرفوف كل يوم!- لكنني في كل مرة أقرأ الكتاب للمرة الثانية؛ أدرك كم تغيرت منذ آخر مرة قرأته فيها. أرى الشخصيات تحت إضاءةٍ مختلفة، برفقة بطل الرواية بشكلٍ لم أعهده، وأحيانًا أستمتع بالكتاب برمته مقارنةً بالمرة الأولى. والجزء المفضل لدي هو عندما أجد أن الكلمات التي سبق أن قمت باستقصاء معانيها قد أصبحت بطريقةٍ ما في جيب مفرداتي. ولأننا ننجذب إلى الكتب عندما نقرأها بشكل كبير؛ سواءً استوعبناها أم لا، فنحن لا نقرأ الكتاب مرتين مطلقًا، حتى وإن كان الكتاب ذاته الذي انجذبنا له. إعادة قراءة الكتب حتى تلك التي تكرهها هو نوعًا ما أشبه بالعودة إلى مسقط رأسك بعد غيابٍ طويل، المحيط من حولك ذاته ولكنك تراه بشكل مختلف؛ لأنك عدت مختلفًا!

3- ستكون قارئًا أكثر علمًا، حتى بالمواد التي لا تحبها.

إذا كنت تريد أن تكون قارئًا حقيقيًا، اسمح لي أن أخبرك بأنه ينبغي عليك أن تقرأ بشكلٍ واسع ومتنوع، حتى لو شعرت أحيانًا بأنك لا تريد سوى تقليب مؤلفات جي كي رولينج -مؤلفة سلسلة هاري بوتر- لما يقارب المليون مرة. إن أهمية معرفة لماذا كرهت كتابًا بقدر أهمية -وربما أكثر- لماذا أحببت كتابًا آخر. ولن يمكنك معرفة ذلك دون أن تعطي تلك الكتب فرصة قراءةٍ مُنصفة. بالإضافة، عندما يتحدث أصدقاؤك المهووسين بالكتب عن كتاب تكرهه، سيمكنك الانضمام إليهم بسخرية ذات خلفية ممتازة.


4- ستجعلك أكثر تقبلًا للآراء المخالفة لك بكل رحابة صدر.

إنها حقيقة بسيطة أننا نعيش في عالم مليء بالآراء المختلفة. وعبر مسيرة الحياة تضطر أحيانًا لمقابلة من تختلف معهم بشدة على الأساسيات. خصوصًا لو حدث ذلك في موسم الانتخابات في أمريكا مثلًا. ولا يهم مدى ظنّك بتجلّي رأيك فلن يكون بمقدورك الفوز بكل قلبٍ وعقل لموافقة تفكيرك، حتى ولو كنت محقًا. في بعض الأحيان مثلًا عند جلوسك لتناول العشاء بصحبة والدايّ رفيقتك، اختلاف الآراء سيشعر الجميع بعدم ارتياحٍ بالغ. باستثائك أنت؛ أيها القارئ الحكيم، لأنك جالست كتابًا تلو كتاب ذوي أفكار لا تتقبلها إطلاقًا. وإذا جربت معاناة 384 صفحة مع كتاب “فن البقاء” فبالتأكيد ستجد ثمارها على مائدة العشاء تلك.

5- “دي ان اف” (الكتب المعلّقة) هي استعراض أعرج للقراءة ..

أنا آسف جدًا لو أنك استوعبت مؤخرًا بأن الحياة قصيرةٌ جدًا لإنهاء كتب لا تحبها، وكم هناك من الحزن والألم والمشقّة في الحياة، دون أن تضطر لجلبها عنوةً إلى منزلك؛ لرف كتبك تحديدًا. ولكنني لست من مُهرّجي “دي ان اف” (الكتب المعلّقة) إطلاقًا، ربما ذلك بسبب هوسي بالكتب. ولكنني أفكر، لو شرعتَ بقراءة كتابٍ و واصلت حتى 50 صفحة ولم تنسجم معه. فعليك أن تقضِ نهاية الأسبوع للقضاء على ذلك المغفل! وذلك لأنه، أولًا: لقد قرأتُ العديد من الكتب السيئة ذات 100 صفحة أو أكثر و واصلتُ حتى يحمى الوطيس. وثانيًا؛ كيف تستسلم دون معرفة ما سيحدث؟ حتى ولو كان مملًا وفضيعًا، كيف؟! بالإضافة، -تحذير: سأكون فظًا نوعًا ما- “دي ان اف” (الكتب المعلّقة) هو ليس رأيًا أو طريقة استعراضٍ للكتب، فإن كنت تستخدم هذه الطريقة؛ توقف حالًا! كل كتاب “دي ان اف” (كتاب معلّق) يخبرني بأنك لم تنهه بعد، فأنا لا شك سأهدر وقتي بقراءة استعراضك له.

6- المثابرة خاصية مفيدة، سواءً في القراءة أو الواقع.

في عهد التغريدات ذات 140 حرفًا و”صور سناب” التي تختفي بعد ثوانٍ معدودة وخيار “إلغاء الصداقة” الذي بإمكانه إنهاء علاقاتك بضغطة واحدة - ولا زال الناس يفعلونها، أليس كذلك؟-. تُعرف المثابرة بأنها نوعٌ من الفن العملي. سواءً كانت في القراءة أو الواقع، فكيف يمكنك الإمساك بطائر البوكيمون 982 إن لم تكن متأهّبًا لاصطياده بكرةٍ تلو الأخرى؟. امم.. يبدو أنني أنحرف عن الموضوع قليلًا. ما أرمي إليه؛ أحيانًا ينبغي عليك أن تلتزم ببعض الأمور في هذه الحياة، سواءً رغبت بها أم لا، وإنهاؤك للكتب الغير مفضلة لديك هي الطريقة الأمثل لممارسة هذه المهارة. الآن.. أستميحك عذرًا؛ عليّ الذهاب للاستعداد لموعدي المتأخر بصحبة آخر 390 صفحة من كتاب “دعابة لا نهائية”.


المصدر