طقوس القراءة هل هي حقيقة أم خيال \ احتياج فعلي أم وهم وكماليات؟
هل القراءة تحتاج فعلاً إلى طقوس معينة أم أن العملية بأكملها تعتمد على الكتاب الذي بين يديك ،إذا كان الكتاب عظيم يمكنك قراءته في أي مكان وبأي طريقة .
البعض يقول أنه لا يستطيع القراءة بدون كوب قهوة وحتى أن كثير من دعايات القهوة تربط بينها وبين القراءة ولكن أليس بإمكاني أن اقرأ بمصاحبة كوب من الشاي أو كأس عصير أو حتى عندما يكون فصل الصيف والشمس في منتصف السماء ألا يمكنني الاستماع بتناول بعض المثلجات لتخفف حرارة الجو وأنا اقرأ ،أما إذا كانت رواية وأحداثها حامية الوطيس فلا مانع من بعض (الفشار) حتى اشعر كمن يشاهد فيلم في صالة سينما .
أما بالنسبة لمكان القراءة هناك من يقصد الحدائق العامة ليقرأ وهناك من يعشق العزلة ويراها من الضروريات فيلجأ إلى الفراش حيث يراه ملاذاً آمن لاستحضار الشخصيات وعيش الأحداث بحذافيرها ويمكنه حينها فقط أن ينفصل عن واقعه ليدخل واقع القصة .
القراءة في الفراش توفر العزلة الكاملة التي تحتاجها الروح لترتبط بروح الكتاب .
الكاتب ألبرتو مانغويل كان يفضل القراءة في الفراش فقال عنها :
"القراءة في الفراش أكثر من مجرد تمضية للوقت إنها تمثل نوعاً من الوحدة فالمرء يتراجع مركزاً على ذاته ويترك الجسد يرتاح ويجعل من نفسه بعيداً لا يمكن الوصول إليه مخفياً عن العالم"
وقال أيضاً :
"المؤالفة بين السرير والكتاب تمنحني ما يشبه المسكن مسكن كنت استطيع الرجوع إليه ليلة بعد ليلة تحت أي سماء كانت"
وكانوا الرومان قديماً يمارسون القراءة في السرير حتى أن تصاميم السرير تساعدهم على ذلك فيضعون السرير في اظلم بقعة في الغرفة ويقرؤون على ضوء الشموع .
ويذكر ويستان آودن أن الكتاب يجب أن يناقض المكان الذي يُقرأ فيه .
وهناك من يخصص مقعد مريح تجاوره طاولة صغيرة والبعض الآخر يخصص غرفة بأكملها بمكتبة كبيرة ومكتب خاص حيث ينطوي في تلك الغرفة على ذاته فتهذبها الكتب وتصقلها ،يقرأ بجانب الكتب الأخرى فيسمع حسيسها وهي تتحدث بما فيها .
هناك من يفضل الأماكن الخاصة المنعزلة التي يستطيع فيها سماع صوت العقل ويتمكن من أن يتجرد من كل ما يربطه بالواقع ليشعر أنه ينتمي إلى ذلك الكتاب فقط ولا يمكنه الانتماء إلى أي عالم آخر غير العالم الموجود بين يديه ومنهم من يفضل مقاعد الحدائق العامة أو مقاعد الانتظار في صالة المطار أو يقرأ واقفاً في القطار .
القراءة في الأماكن العامة تُخضع الكتاب لاختبار وتجربة دقيقة فهل يستطيع هذا الكتاب عزل هذا القارئ الاجتماعي وربطه معنوياً به ،هل يمكنه حجب أصوات البشر في الواقع عن الاصوات التخيلية الصادرة من صفحاته ، هل يمكنه منع التداخل بين عالمين مختلفين؟
ولا تقتصر الطقوس على المشروب المصاحب ولا المكان فقط إنما حتى وضعية الجلوس ونبرة الصوت والجو الموسيقي المطلوب .
فقد اكتشفت الكاتبة كوليت التي كانت ترى أن البؤساء هو الكتاب المناسب لغرفة النوم ،أن بعض الكتب تحتاج إلى وضع جسدي معين عند قراءتها فلم تكن تستطيع قراءة تاريخ فرنسا لجول ميشلي إلا عندما تجلس متكورة في كرسي والدها .
نبرة الصوت في القراءة .
قديماً كان المتعارف عليه عند القراءة هو الصوت المرتفع ونادراً ما كانت توجد القراءة الصامتة التي نراها الآن حيث يكون القارئ كما وصفه مانغويل "النظر موجه إلى الصفحات والفم مغلق"
إذاً عزيزي القارئ لا يهم بأي طقوس تمارس شغفك بالقراءة فالأمر سيان إما أن تكون في مقهى على أحد الأرصفة أو تكون في فراشك معتزل كل ما يمكنه قطع العلاقة بينك وبين الكتاب.
لا يهم هل تحتسي القهوة أم تستمتع بكوب شاي ،تتوسد العشب أم متكئ على جدار.
كل ما يهم هو أن تمارس كل الشعائر والطقوس التي تساعدك أن ترتبط عاطفياً بصفحات كتاب ،طقوس تساعدك أن تسافر في الزمن لسنين ضوئية عبر الحروف .
اقرأ في كل مكان وبأي طريقة أحببت ،اجعل الكتاب رفيقك الدائم في الحل والترحال في المقهى وفي المطار في الفراش وفي المكتب .
الكتاب العظيم لا يتم حصره وربطه بمكان معين ،الكتاب العظيم يأسرك يسيطر عليك يقطع كل صلتك بالواقع ،الكتاب العظيم لا يحتاج إلى طقوس فهو يفرض وجوده.