العبارة الشائعة التي تُطلق على معارض الكتب هي ( عرس الكتاب ) ، تُنبئك هذه العبارة بادئا ذي بدء بأن معارض الكتاب ليست فقط للتبضع وشراء الكتب ، وإن كان هذا الأمر  من أهم ركائزها التي تقوم عليه ، إنما نستطيع القول أن الكتب متاحة في الدور والمكتبات على مدار السنة ، في اعتقادي أن الدور المهم والمنوط بمعارض الكتاب للقيام به هو الالتقاء ، هذه الكلمة خليقة بتحقيق معنى العبارة الأولى التي افتتحت بها مقالي ألا وهي ( عرس الكتاب ) والالتقاء هنا متعدد المستويات ، ومتجاورها كذلك ، فمنها متعة  الاقتراب من الكتب ، والحديث معها عبر مصافحة عينيك لعناوينها وملامسة يديك لأوراقها ، حتى لو لم تتم المرحلة الأخيرة من هذا اللقاء وهي مرحلة الشراء ، وهذا أمر نفسي وروحي مهم جدا لدى الكاتب / القارئ ، ذاك الذي تتجلى مهمته الأولى في مد جسور التواصل بين الكلمات وخلق مساحات جديدة لذلك التواصل الإبداعي . القارئ الكاتب هو من يعيد ترتيب تلك الكتب على أرففها بشكل صحيح ، وهذا المستوى من الالتقاء يختص بالمبدعين الذين عقدوا أواصر القربى مع الكتب والكتابة ، تلك العلاقة التي تدفعهم دفعا لزيارة معارض الكتب وتفقد أقربائهم الكتّاب من خلال كتبهم وإبداعاتهم ، وهذا التفقد يقودنا لمستوى ثان من الالتقاء ألا وهو لقاء الكتّاب والمبدعين أنفسهم وفي ذلك اللقاء يتم اكتشاف جوانب أخرى من حياتهم وملامسة أرواحهم عن قرب ، وعبارة "اقرأ للمبدعين ولا تلتقي بهم" ليست صحيحة على الدوام ، فمن منا لا يتوق إلى رؤية مبدع كبير  كالشاعر  محمد الثبيتي رحمه الله لو قدر له ذلك ، وقد كان لي ذلك الشرف ولا أنسى ذلك اللقاء الحميمي أبدا ، فقد اكتشفت في أول لقاء به كم هو خجول وشفاف وصادق ومحب للجميع .

bbb8f2818c3e00562fcbb09c08304e79

وفي هذا الصدد يحضر في ذهني ما كتبه غابريل غارسيا ماركيز لحظة رؤيته لأرنست همنغواي ،  يقول : عرفته على الفور، كان يتنزه برفقة زوجته في شارع سان ميشل في باريس وكنت أسير على الجانب الآخر من الرصيف متوجها إلى حديقة لوكسمبورغ ،حينها كان ارنست قد قارب الستين من العمر كان يبدو حيويا وهو يتنقل ما بين أكشاك الكتب القديمة بين حشود من الشباب القادمة من جامعة السوربون، شعرت بالتردد بين رغبتين كالعادة، ما بين المسارعة لإجراء لقاء صحفي أو قطع الطريق لتقديم واجب التحية و التعبير عن إعجابي الكبير بأدبه. وفي كلتي الحالتين كنت سأواجه الكثير من الصعوبات لأن لغتي الانجليزية كانت متواضعة للغاية، ولا أعتقد بأنه كان يتحدث بدوره الاسبانية ببلاغة، لهذا وحتى لا أهدر تلك اللحظة النادرة، وضعت يدي على فمي وصحت بكل صوتي " يا معلم "، كنت أبدو كطرزان وهو يصيح في الغابات. أدرك إرنست همنغواي بأنه هو المقصود وسط هذا الحشد الكبير من الشباب بأنه هو ( المعلم ) ، لوح لي بيده وصاح بالاسبانية "وداعا يا صديقي".

وتبقى هناك مستويات أخرى من الالتقاء المعرفي في ذلك العرس البهيج ، ولكني اخترت هذين المستويين لأنهما الأكثر إثراء لمخيلة الكاتب وقلمه ، والأكثر سعادة لعرائس المعرض ألا وهي الكتب ،  وظني أن الكتاب يسعد بالقارئ كما يسعد القارئ بالكتاب .