أغلب السير الذاتية التي قرأتها للروائيين المفضلين عندي تركت في نفسي شيئاً من الغبطة لتوفر مناخ القراءة في مرحلة مبكرة من العمر. الحديث عن تلك الأرفف الغنية بالكتب القديمة لذويهم عزز-حسبما رأيت- حجم التأثير المباشر عليهم في كتاباتهم لاحقاً. هكذا كنت أقابل كل نص يبعث صاحبُه عبقَ الذكرى المرتبطة بالكتب الأولى المتاحة له في عمر صغير. لم أنشأ في بيئة مماثلة. فالكتب الوحيدة التي توفرت كانت دواوين شعر نبطية لشعراء الصحراء الذين ردّد أبي أبياتهم لعقود. لا شيء غير ذلك في المنزل. كانت نقاشاتنا مع أبي الذي لم ينه تعليمه الثانوي تنحصر في مناهجنا التعليمية. نتحدث عن الشعر الجاهلي وسير الصحابة وبعض المفكرين المسلمين ممن استهووا والدي. نتحدى البعض شفهياً في الجبر والحساب وبعض الألغاز المتعلقة بالجغرافيا والعلوم. أما القراءة فلم تكن إلا مادة صغيرة تدعى المطالعة ليس لها أهمية تذكر. 

لا أدري إن كان تحفيز القراءة من قبل الوالدين هي السبيل إلى الخروج بجيل قارئ مطّلع ومتطلّع، ولكن لا بد أن يثمر هذا المجهود في صور متباينة. أستعين هنا برواية رحلة ابنتي مع القراءة والتي غمرتني بالبهجة وأنا أرى هذا التطور السريع في شخصيتها مع مرور الوقت. كانت تستمع لحكايا ما قبل النوم التي أقصها عليها بشغف وهي في عمر الرابعة. كانت الكلمات مسموعة فقط. ترسم لها الصغيرة وهجاً يتطوّر كل مساء بتنوّع تلك القصص التي أستقيها من الذاكرة، أو أبتدعها من نسج خيالي. أياً كانت الكلمات، فقد وجدتْ مساحة لها في ذاكرة ابنتي الإسفنجية لتمتصّها وتتركها هناك حتى يحين التقاؤها بانعكاسها على الورق في شكلها المكتوب. بعد أن تعلمت ابنتي الحروف الأبجدية، أصبحت متابعة الكلمات في الكتب التي أقرؤها لها أكثر إثارة. تقفّي أثر انحدار الحروف واستطالتها ثم استدارتها ورش النقاط على بعضها كان مثيراً لدهشتها. تعلمت الصغيرة بعدها كيف تسبك الحروف لتنطق كلمة، ثم تسبك الكلمات لتنطق جملة، ثم تسبك الجمل لتقرأ قصة. لمّا شعرتُ بشغف الفتاة في قراءة اللافتات، عناوين الكتب في مكتبتي، وشريط الأخبار في التلفزيون، أدركتُ أنها في حاجة لكتبها الخاصة التي تختارها بنفسها. صارت العادة بعدها أن تقرأ هي لي حكاية ما قبل النوم. كانت تقرأ وتتوقف لتمعن النظر في الصور المرافقة ثم تعود للكلمة التي صاغت التعبير والمشهد، ثم تواصل. تتوقف عند العبارات الجديدة وتسأل عما تعني. مع الوقت، أدركَت ابنتي كيف أنّ الكلمات قادرة على توليد المجاز بشكل بليغ وممتع. صارت تستخدم المجاز في حديثها اليوميّ طبقاً للقاعدة التي عثرتْ عليها في قراءاتها. أصبحت تقرأ الكتب بشراهة ومتعة لا مثيل لها. حتى أنني عجزت عن تحديد ما يستهويها أكثر، فهي تقرأ في السير والرحلات والأدب والتاريخ والعلوم. أصبحت لها مكتبتها الخاصة بعد أن كانت تستعير رفاً سفلياً من مكتبتي. بعدها كان لا بد أن تزور معرض الكتاب معي لترى كيف يتم عرض الكتب هناك من شتى أنحاء العالم، بتنوع دور النشر والدول المشاركة. كانت ولا زالت تنتظر قدومه بفارغ صبرٍ يوازي صبري. 

اشتركت الصغيرة في مسابقة تحدي القراءة العربي في سابق الأعوام، وأثبتت جدارتها وقدرتها على التعبير عن أفكارها ورؤيتها الخاصة ونقدها للكتب التي قرأت رغم حداثة سنها. 

من أجمل المواقف التي خاضتها في مسيرة القراءة أن جعلتُها تقرأ لي كتاباً. كانت لا زالت في عامها السابع، عندما احتجت إليها لتقرأ لي رواية. كنت قد أجريت عملية ليزر لعينيّ، وعلى الطاولة كتابٌ نصف مقروء، رواية نقطة النور لبهاء طاهر. تطوعت الصغيرة لقراءة الرواية السلسة والخفيفة. ضحكتْ من مفردات اللهجة المصرية التي لطّف بها بهاء طاهر جوّ الرواية. تجربة جميلة لا بد أنها عززت حبها للقراءة حتى أنها أصبحت تختار زاوية قرب زاويتي في المنزل لتقرأ بهدوء محاذاتي. في السفر، أصبحت كوالدتها تحرص على اقتناء كتابين تعينها على ملل الانتظار في الطائرة والمطارات والقطارات. 

على أنني حرصت على غرس عادة القراءة أسبوعيا في المنزل، تحفيزاً لجميع الأفراد بقراءة ما يجذبهم، إلا أن التجربة باءت بالفشل ولم أخرج إلا بواحدة لا زلت أعزز فيها هذا التوق لقراءة ما يوضع على رفوف مكتبتها الصغيرة. لا أعرف إن كانت ستبقي هذه العادة كجزء من روتينها، ولكن أعلم أنها ابتدت بالخطوات المناسبة لتصبح أكثر تميّزاً في المستقبل. 

القراءة عادة مكتسبة بلا شك. البيئة تساعد وتهيئ لأولئك الذين على استعداد أكثر للغوص بين دفتي كتاب. لو أنني مثلاً لم أعِر اهتمامًا لشغف هذه الصغيرة تجاه الكلمات والكتب ربما لم تكن بهذا القدر من النمو القرائي إن صح التشبيه. قليل جهدٍ من الآباء لدعم هذه العادة قد يرسم الخطوط الأولى لرحلة شخصية  مميزة في مقبل الأعوام.