لا يوجد تصنيف للكتب أكثر عرضة للسخرية من كتب مساعدة الذات. لنعترف أنك تلجأ بانتظام إلى عناوين ذلك التصنيف لتساعدك في التعامل مع وجودك وأنك عرضة بذلك لجذب ذلك الانطباع بالاحتقار من قبل كل الطامحين في الظهور بمظهر المتعلمين والجادين، وكأنك في مهمة تتجنب فيها عدم إسباغ أي ذرَّة احترام على مثل هذا التصنيف، ناشروا كتب مساعدة الذات يغلفونها بأغلفة وهّاجة بينما يقوم بائعوا الكتب بوضعها بالقرب من قسم كتب "العقل، الجسد، الروح"، حيث يقومون بالتشويش عليها بشكل لا يمكن تمييزه بكتلة أشواك ذات لون وردي وبنفسجي تصيبك بالمرض.

لم تكن الأمور هكذا منذ الأزل، لألفي سنة مضت من التاريخ تموضعت كتب مساعدة الذات ككتب تمثل ذروة الإنتاج الأدبي، كان القدماء متمرسين على كتابتها بشكل بارع، أبيقور كتب حوالي ثلاثمائة كتاب مساعدة للذات في كل موضوع تقريباً، بما في ذلك كتباً  في الحب، في العدل و في حياة البشر. 
الفيلسوف الرواقي سينيكا كتب أسفاراً ينصح فيها أتباعه الرومان كيف يتعاملون مع الغضب (كتابه الذي لا يزال يُقرأ في الغضب)، وكيف نتعامل مع وفاة طفل (عزاء لمارسيا) وكيفية تجاوز خِزي فضيحة مالية أو سياسية (رسالة إلى لوسليس). إنه من غير العدل ألا نصف كتاب ماركوس أريولوس (تأملات) كأحد أفضل أعمال مساعدة الذات التي كتبت، والموجه إلى شخص يواجه مصيبة مالية أو مصيبة تفكك على مستوى عالي كالإمبراطورية .

 images (2)

دأب كُتَّاب مساعدة الذات العظماء على إسداء النصح حتى أوائل القرن التاسع عشر. خذ بعين الاعتبار مُعلم العبارات البالغة والمفيدة، آرثر شوبنهاور، مؤلف كتاب في حكمة الحياة، حيث قال في عام 1823، "يتوجب على كل رجل أن يبتلع ضفدعاً كل صباح ليكون متأكداً من أنه لن يقابل ما يثير الاشمئزاز أكثر من ذلك الأمر عبر اليوم الذي سيمضيه". الفرضية وراء هذا التقليد العتيد أن كلمات الآخرين لا تفيدنا بإعطائنا نصائح علمية فحسب، إنما أيضا-وبمهارة أكثر-عبر إعادة تشكيل ارتباكاتنا الخاصة وأحزاننا إلى تعابير شعبية بليغة،  نشعر حينها بأننا أقل وحدة وأقل خوفاً.

إذاً ما تفسير هذا التراجع المتدرج بشأن حظوة كتب مساعدة الذات المستمر حتى يومنا هذا؟ أحد المؤثرات الرئيسية لذلك كان تطور نظام الجامعات الحديثة في منتصف القرن التاسع عشر حيث أصبح هذا النظام هو التوظيف الرئيسي للفلاسفة والمفكرين وبدأ يمنحنهم الفرصة ليس ليكونوا مفيدين ومواسين، بل من أجل أن يصوِّبوا الحقائق، من هنا بدأ هوس الدقة وتجاهل المنفعة المتعلقة. فكرة تحويل الفيلسوف إلى باحث تاريخي حتى يغدو أكثر حكمة (افتراض طبيعي تماماً حمله أسلافنا) وبدأ يظهر مثالياً بطريقة مضحكة وغير ناضجة، بجانب هذا نما توجه نحو حرية الاعتقاد والاختيار في المجتمع، مما شجع إنسان العصر الحديث على إمكانية ممارسة أعمال العيش والموت بالاعتماد على الحدس السليم، محاسبة جيدة، تطبيب متعاطف وجرعات إيمانية بالعلم.
مواطنوا المستقبل لا يفترض بهم أن يحتاجوا محاضرات بشأن كيف يبقوا هادئين ومتحررين من القلق. دراستنا في الجامعة اليوم بأمل الحصول على أجوبة لأكبر معضلات الحياة ستجعل الأكاديميين يضحكون أو يتصلوا بسيارة الإسعاف.

فإذاً مجال مساعدة الذات قد هُجر إلى أنواع متعددة فضولية وغالباً غير محظوظة من الناس الذي يزدهون بها اليوم، هؤلاء الذين يعيدون تقديم الرسالة الدينية من أجل أن تعدنا بالنعيم المالي إن نحن آمنا بأنفسنا،  أن نؤمن بالمعتقد، وأن نعمل جاهدين ولا نقنط.
ما يوحد الممارسين الجدد هو تفاؤلهم الضاري، يجعلون بافتراض خطير أن بالإمكان مواساة شخص ما بالقول أن كل شيء سيمر على ما يرام. وهم بذلك قطعوا الطريق تماماً على روحانية أسلافهم النبلاء، الذين أدركوا بأن أسرع طريقة لجعل أحدهم يشعر بالسرور هو أن نقول له أن الأشياء ليست سيئة كما يبدو أنها كذلك، وربما كانت ستكون أسوأ، أسوأ مما يمكن أن تظن  كما يقولها سينيكا بطريقة رائعة، " ما الفائدة من البكاء على أجزاءٍ من الحياة ؟ إذ هي بأسرها تدعو للدموع "

نحن بحاجة لكتب مساعدة الذات اليوم أكثر من أي يوم مضى، لذا فإن الأمر يبدو حزيناً خاصة أن معظم كتابنا الجادين لا يسخرون إمكاناتهم  لفكرة قول أشياء "مفيدة" للقارئ، والتي أصبحت فكرة مرادفة للتفاهة، "عشرون تلميحة من عُطيل بشأن العلاقات" قد يبدو فكرة سخيفة لكتاب، لكن العنوان والفكرة التي وراءه تحتوي على نوعية المحتوى المتعلق بجوهر الفكرة، تصور ماذا لو تم مثل ذلك لو أن كارلايل أو فيرجينيا وولف كانوا قد جربوا التأليف في مجال مساعدة الذات عن حالة الالتباسات الأخلاقية التي نعيشها والاضطرابات العملية؟ كتب مساعدة الذات تبكي ليعاد لها الاعتبار ويعاد تأهيلها.

 


المصدر