لطالما نصحتُ أصدقائي بزيارة المكتبات المخصصة لبيع الكتب المستعملة Secondhand books، بل لا أزور مدينة إلا وفي خلدي أن أبحث عن هذه المكتبات لكي أنقبُ عما فيها من الكنوز الثمينة، وغالبًا ما أربح في هذه الجولة. لذا مقولتي الشهيرة حينما يتم فتح هذا الموضوع هي "غّبر يدك" أي لا تشمئز مما في هذه المكتبات من أغبرة وأوساخ؛ لأن ما تحتويه وتحصل عليه قد يُنسيك كل العناء ويُخفف عنك، وكأنك بفعلك قد انتصرت، لا لأنك ربحت كتابًا قديمًا لم ينتبه له أحد طوال مدة بقائه، بل لأنك انتصرت حتى على الزمن الذي لم تضيعه وأنت تبحث وتبحث عن هذه الكتب المنسية التي تنتظر بدورها وبشوق وجلٍ عن اليد التي ستلتقطها.. هل هي رحيمة ومحبة فتقلب صفحاته بمهل وحرص؟ أم يا ترى هي يد تعود لصاحبها الذي يُفتخر فقط بحصوله على نسخة من الكتاب دون حتى أن يتصفحه فيعرف ما فيه، فيصبح الكتابُ حزينًا ومنكبًا على نفسه، وقد يتمنى له أن قد تخبئ بشكلٍ أكثر مواربة لكي لا تراه هذه اليد التي ساقته إلى عُزلة هي أكثرُ فظاعة عن سابقها؟!

وللكتب المستعملة فوائد جمّة، من بينها أسعارها الزهيدة والرمزيّة، وكذلك ندرة النسخ المعروضة فيها. بل أحيانًا تجد كتبًا ممنوعة في بلد ما، لكنك تجدها في محلات بيع الكتب المستعملة في نفس تلك البلاد، وهذا ما يحصل في الغالب. وكأن سلطة المنع رؤوفة وغير مبالية كثيرًا لأمر هذه المكتبات على الرغم مما فيها من الخيرات ما لو أن الشخص كان جادًا في بحثه، مضنيًا في تنقيبه وكأنه يبحث داخل منجم لا يمكن له إلا أن يرى أمامه مما يمده له ضوئه المتعلق فوق رأسه، أقول لوجد ما يسره وما يؤنسه، وللتجربة خيرُ برهان. واسمحوا لي أن أقصص قصة حدثت لصاحب هذه السطور، وهي حينما كنت في المدينة المنورة لقضاء بضعت أيام برفقة الأصدقاء، صدف أن مررت بعد يوم واحد من وصولي بالقرب من مكتبة (الشروق) المعروفة بكتبها المستعملة، لكن للأسف وجدتها مُغلقة ولن تُفتح بعد اليوم. تنهدت وأغمضت عيني وقلت لا بأس. لكن، في اليوم التالي وأنا أبحث عما يمكن أن أجده في المكتبات المستعملة وخاصة في المدينة، لأني كنتُ أشعر صدقًا بأن لي لقاء مع كتاب سيسعدني، لم يكن معروفًا لي حينها ما هو، لكن حتمًا كان هنالك كتابٌ ما ينتظرني. حتى وجدتني صدفة أتعرف على مكتبة باسم (أعيان) ذهبت لها فورًا، ومع البحث والتنقيب، وجدت ما سرني، مثلا الطبعات الأولى من روايات نجيب محفوظ والتي كانت متداولة في عصريه، وكذلك الطبعة الأولى من ديوان (شجرة القمر) لنازك ملائكة، والطبعة الأولى من كتاب(أشعار) لجورج شحاته، كتاب مقسم باللغتين العربية والفرنسية. وديوان إبراهيم ناجي الذي يضم جميع كتبه، وديوان محمد الفيتوري (يأتي العاشقون إليك) وغيرها الكثير من الكتب التي تكومت أمامي متخذة سدًا منيعًا.. لكن، كل هذا في جهة، وما وجدته في اللحظة الأخيرة قبل أن أغادر في جهة أخرى، فبعد أن حاسبت ما قيمته كل هذه الكتب حتى وجدتني أقول في نفسي بأنني لن أرجع مرة أخرى إلا هنا إذا زرت المدينة، ولا أعلم متى سيحدث ذلك مجددًا، لذا جولة سريعة قبل المغادرة لا تضر، وكانت جولة مباركة. ذاك لأنني بحثتُ مجددًا في الرفوف التي بحثت فيها سلفًا، وكأن شيئًا ما يدفعني دفعًا لم أفهمه حينها، شيء ما جعلني أبحث أسفل الرفوف وإزالة الكتب الموضوعة فوق بعضها البعض بطريقة عشوائية.. فكانت المفاجئة أن وجدت نسخة قديمة ووحيدة وممزقة ومهترئة لكتاب (سقط الزند/ نسخة سنة 1963) لأبي علاء المعري، ولا أخفيكم أنني رقصت في مكاني وأعلمت من هو بجواري عن فرحي بهذا الكتاب وما يحتويه ومن هو كاتبه، ولسبب آخر، هو أنني وجدتُ نسخة من كتابه (رسالة الغفران، تحقيق عائشة عبدالرحمن، بنت الشاطئ) قبل أيام وكانت الطبعة الثالثة سنة 1965، أفلا يحق لي من بعد هذا أن أرقص بهذين الكنزين؟! صحيح بأنه يوجد نسخ حديثة ونظيفة لهذه الكتب، لكن، بالنسبة لي أن تمسك نسخة قديمة وخاصة كهذه الكتب، ومن ذلك العصر، فهذا أمر جالب للسعادة! وهذا حدث واحد من بين الأحداث التي حصلت معي في المكتبات المستعملة، فمنها ما هو طريفٌ ومضحكٌ وغريبْ، ومنها ما هو محزنٌ وكئيبٌ ومُقلقْ.

وأمرٌ آخر، علينا أن نرفع من ثقافة الكتاب المستعمل، فهي على الرغم من قلتها في المدن الكبيرة(ما عدا الرياض) إلا أن هذه الثقافة عندنا دون المستوى المطلوب، بعكس ما هو موجود في الخارج، مع الأسف نذكر هذه المقارنة مضطرين، لكن هذا هو الواقع، فأنت لا تذهب أي مدينة أوربية أو أمريكية حتى تجد محلات الكتب المستعملة متناثرةٌ في كل مكان، عكس تمامًا ما يحدثُ هنا، بل الأمر أصبح يسير نحو الأسوأ، فمثلاً: أغلقت المكتبات المستعملة في مكة، بينما جدة بقي منها مكتبتين بالقرب من الجامعة غلب عليها مع مرور الوقت أن تحولت باحتضان الكتب الأكاديمية أكثر من أي مجال آخر(وهذه كارثة) أو نعرج شمالا فنجد في المدينة مكتبة واحدة أو اثنتين.. وطبعًا من المحال ذكر بقية المدن، لكن هذه المناطق تبين نبض الحجاز كيف هو مع هذه المكتبات.. ثم عليك ألا تنسى شبه انعدام للمكتبات العامة فيها، واستفراد المكتبات التجارية الخاصة وما تبثه من مسارٍ واحد ومن زاوية واحدة قد لا تخدم شريحة كبيرة من المجتمع!

على كلا.. نعودُ ونكرر بأنه لا ضير من تغبير اليد ما أمكن في المكتبات المستعملة، وأن استشعار رحلة الكتاب، لا من حيث كتابته وطبعه وتوزيعه، بل من وجوده ومسكنه وتبادل الأيدي التي جسته قبل أن تكتشفه أنت، فهذا أمرٌ في غاية المتعة والسعادة، فالكتاب كائنٌ حي، ونديمٌ لا يُملْ.