إهداء للبيع  

 في سابقة من نوعها ، عرض أحد الكتّاب المساحة الخاصة بالاهداء في كتابه للبيع ، بمعنى أنك إذا أردت أن يظهر اسمك في هذه المساحة فإنه لديك الخيار في شراء أحد الباقات الثلاث ( البرونزية – الفضية – الذهبية ) بمبلغ معين ، بالطبع كلما زادت شهرة الكاتب وكتابه كلما حصلت على تسويق أعلى لأسمك أو شركتك أو أياً كان الكيان الذي تريد التسويق له .. مع أنها كانت فكرة ثورية إلا أنها واجهت هجوم شرس من الكتّاب وأشرس من القرّاء ..

الآن ما المشكلة التي جعلت الكثير من القرّاء يتذمرون من هذه الفكرة ؟

لماذا لا أبيع هذه المساحة بالذات ؟ لماذا يجب أن يدل الإهداء على ذاتي ؟ ماذا يتوقع القارئ من هذه المساحة المقدسة ؟

قد تحتوي هذه المقالة على إجابة ( ابحث عنها ) !

 

 

فتات الخبز

في قصة هانزيل وجريتيل التي كنا نقرأها في طفولتنا ، نتذكر هذا المشهد الذي يصف وصولهما لمكان بعيد في الغابة ومعهم سلة من الخبز ، ولكن ولمعرفة طريق العودة والاستدلال عليه كان الفتى هانزيل ينثر قطع من الخبز حتى يرسم الطريق المؤدية إلى المنزل ..

إن الإهداء هو بصورة من الصور فتات الخبز الذي يدل على كينونة المؤلف .. إذا تتبعت هذا الفتات داخل الغابة ( القراءة بوصفها غابة – امبيرتو ايكو )  قد تصل إلى منزل المؤلف .. وتتعرف هناك على أسرته وأصدقائه وحتى بعضا من شخصيته وقد تطلع أيضاً على بعض من كتبه في مكتبته ( المكتبة هوية شخصية – مانغويل ) .. ولكن وكما حصل في القصة الشهيرة قد تجد أحيانا أن بعض الفتات قد اختفى .. قد لا يكون طريقا تؤدي إلى المنزل .. بل تأخذك إلى اللامكان اللاشئ .. إلى التوهان .

 

العتبة

إلا أني أفضل فكرة الفتات ولكن في العرف الأدبي والثقافي فإن هذه النظرية تدعى عتبات النص أو النص الموازي والتي تهتم أيضاً بالعنوان والرسوم التوضيحية والمقدمة وغيرها .. يقول الدكتور معجب العدواني في كتابه ( تشكيل المكان و ظلال العتبات ) :

( تتجلى العتبات بوصفها تلك العلامة التي تحيل إلى واقع ، وإذا نخطو عليها من الخارج إلى الداخل ، وهي أشبه بعتبة المنزل التي تربط الداخل بالخارج ، وتوطأ عند الدحول ، المكان الذي لا غنى عنه للداخل إلى المنزل ) .. النقد المعاصر مهتم بهذه النظرية ودراستها فهو يرى أن العتبات هي علامات لها وظائف عديدة ، فهي تخلق لدى المتلقي رغبات وانفعالات تدفعه إلى اقتحام النص برؤية مسبقة في غالب الأحيان .

لا ننسى أن العتبة هي أول لقاء مع المؤلف .. أول مصافحة .. هذه الكلمات البسيطة بالحبر الاسود التي تسبح في محيط من المساحات البيضاء هي ستار مسدول على حياة أحمد بهجت .. نستطيع أن نتعرف من خلالها على الكثير من المسكوت عنه .. إن الاهداء هو المقبلات للوجبة الدسمة .. فاتح شهية .. هو استعراض طاووسي في الكثير من الاحيان للفت انتباه القارئ وفي حالة أستاذنا فقط نجح في ذلك ، معي على الأقل .

 

 

أصل الأنواع في ( إلى )

تاريخ الإهداء قديم .. يعود في بعض الدراسات إلى الحضارة الرومانية القديمة حيث وجد بعض الباحثون نصوص وأعمال شعرية مقترنة بإهداءات ، وحتى في عصورنا الاسلامية كان من المعروف أن يهدى الكتاب إلى أمير أو سلطان معين ، وفي العصور الكلاسيكية ازدهرت فكرة الاهداءات وأصبحت جزء من كيان الكتاب الذي لا غنى عنه .. وتتعدد أشكال الاهداء وأنواعه بتعدد الكتب .. وتختلف أغراض الاهداء باختلاف المؤلفين ، فدعونا نلقي نظرة على شجرة أنواع الإهداء :

لأشخاص ( أحياء – أموات ) ( لشخص واحد – لأكثر من شخص محدد – لمجموعة معينة )

 لأفكار 

لاشياء

لمكان

لزمان

لوطن

لكائنات ايمانية

لله

ومن ناحية أغراض الإهداء فتختلف وتتنوع حسب المؤلف أيضاً وهذه بعض الأغراض :

إهداء امتنان وأمل

إهداء تقدير وتشريف

إهداء تشجيعي

إهداء عاطفي

إهداء شرحي

إهداء عادي وعام

إهداء ملغز وغرائبي

إهداء ساخر

هذه عينة بسيطة وعشوائية من أنواع الإهداء وأغراضه ، وكان أحمد بهجت نموذجا مبدعاً في عالم الاهداء ، نتعلم منه كيف نهدي الكتب ونتعلم من اهداءاته الكثير عنه شخصيته وعن ما لم يفصح عنه في كتبه .

 

الأمومة .. رحمة وفطرة

كل إنسان يولد ويأخذ حظا من أبيه وأمه ، يأخذ بعض الصفات والخصائص بدون أن يكون له رأي في ذلك ، إنها الجينات يا سادتي ثم بعد ذلك تقوم التربية بدورها ، وعند ذكر الوالدين يتبادر إلى ذهننا فورا والدة أستاذنا السيدة المرحومة اعتدال هانم رشدي ، لأنه ذكرها كثيرا في مواضع وكتب مختلفة ، ونلاحظ في كتاباته عنها هذا الاتصال الحنون بينه وبينها ، يقول عنها حفيده الشاعر محمد بهجت : كانت جدتي اعتدال شديدة الإقبال على الحياة تعشق الموسيقي والمسرح .. ، لا أريد أن أطيل في وصف السيدة اعتدال أو فهم شخصيتها فهذا ليس هدف الكتاب ولكن ما جعلني أذكرها في هذا المقام هو أنه أهدى إليها أحد كتبه وهو كتاب ( قصص الحيوان في القرآن ) ، وكان لدي فضول نحو هذا الاهداء بالذات ، لماذا هذا الكتاب من بين كتبه ؟

  إلى أمي رحمها الله تعالى منةً منه ورحمة ..

من الملاحظ أن أحمد بهجت يعانى كما قال عنه الاستاذ أيمن الجندي من ( الوحدة الباطنية ) والشعور بفقدان الحنان .. كما يتضح هذا أيضاً في الكثير من الكتابات التي ساقها لنا عبر كتبه ، وعن وضعه في البيت وعلاقته مع زوجته ، فكانت الحيوانات في حياته تعوضه عن الحنان والرحمة الاصيلة التي افتقدها في أمه ..

حواء هي السكن .. حواء هي المودة والرحمة .. وقد سكنت في أحضان أمي كل هذه الفترة .. وهذه هي أول جنة يعيشها الانسان على الارض .. وأحيانا تكون هي الجنة الوحيدة .. (1)

لقد استطاع الحيوان أن يؤنسه ويعوضه بعضا من الحنان والرحمة والحب الذي افتقده في حياته والذي كان متبلور في وجود أمه رحمة الله عليها ، وهي التي عاشت تحب الجمال والموسيقى والحياة .

 

قهوة مع الأصدقاء

يكشف الإهداء أيضاً أصدقاء المؤلف .. يكشف الأشخاص الذين كانوا لهم فضل في حياة المؤلف بشكل أو بآخر .. وهنا نأخذ استراحة  سريعة بين أصدقاء أستاذنا على طاولة القهوة :

 

 

 

الشيخ عبدالعزيز البشري 

كما أن الصداقة تتكون على أرض الواقع بالاحتكاك ، أيضا هناك صداقات تحصل على أرض الورق عبر القراءة ، لكل قارئ مجموعة من المؤلفين الذين ألفهم وأحبهم واعتبرهم أصدقائه .. ومنهم شيخ الساخرين عبدالعزيز البشري وهو الذي ألهم أستاذنا كثيرا وكل من أهتم بالكتابة الساخرة ، وقد أهدى إليه أكبر كتاب ساخر له ( تحتمس 400 بشرطة ) .. ويقول الأستاذ محمد كرد علي عن عبدالعزيز البشري:"وهو نسيج وحده في أسلوب الجد في الهزل و الهزل في الجد، ساعده على هذا الإبداع تمكنه من ناصية اللغة و قبضه على قياد الأدب إلى ما فطر عليه من ظرف شفاف إذا تنادر وإذا تهكم. والبشري كالجاحظ إذا عرضت له النكتة قالها لا يبالي وإذا اقتضته الحال أن يتهكم يدخل السرور على قلب قارئه ويعلمه ولا يشق عليه . (2)

 

إبراهيم عبدالقادر المازني

كان الاستاذ ابراهيم عبدالقادر المازني قامة رفيعة في الأدب وأكثر ما كان يشتهر به هي سخريته اللاذعة والجريئة أحيانا ، فهو يقول كل ما يخطر على باله دون حرج أو خوف ، وهنا أيضاً اهداء على سيرة الشيخ عبدالعزيز البشري ، فلقد كان المازني أحد ملهمين ومعلمين أحمد بهجت ، ولقد نشأ وهو يقرأ للمازني ويتشرب منه أسلوبه ولا نستغرب إهدائه في كتابه الساخر ( صائمون والله أعلم ) للعبقري المازني ، فهو عرفان وشكر من تلميذ لأستاذ .

 

محمد حسنين هيكل

اختلف عليه الكثيرون ، بين مؤيد ومعارض وبين كاره ومحب ، ولكن ما يهمنا هنا هو أستاذنا الذي أهدى له كتابه ( رحلة إلى افريقيا ) قائلا :

إلى الاستاذ محمد حسنين هيكل ..

أول من اتاح لي فرصة زيارة افريقيا والكتابة عنها ..

اعترافا بالفضل .. ووفاء .. وحبا 

ومن المهم أن نعرف أن محمد هيكل كان يرأس أحمد بهجت في جريدة الاهرام ، وكان له احتكاك مباشر به على مدار سنين طويلة ..وكان يحترمه ويوقره ويراه قدوة ونموذجا في العمل كما يحكي ابنه محمد بهجت عنه ، وأيضا كان  محمد هيكل يحترم أحمد بهجت ويعده موهبة كبيرة وله معزة كبيرة في قلبه . 

 

على جناح جبريل

سُئل أحمد بهجت في أحد الحوارات : كيف جاءتك جرأة إهداء الكتاب إلى سيدنا جبريل عليه السلام ؟

  • إلهام من ربنا (3)

جلست متحيرا لفترة طويلة عندما قرأت الاهداء لأول مرة ، كيف تهدي كتابك لأحد الملائكة بل سيدهم وأكثرهم قربا من الله تعالى .. لا نملك إجابات واضحة غير ما قاله .. كل ما نملكه هو هذا الشعور بالجلال والدهشة ، نشعر برعشة تسري في قلوبنا عند قراءة الاهداء .. إنه عتبة من نور .. عتبة من تراب تتحدث عن نور على حد قوله ، هذا نص الاهداء المسطر بوجدانه على كتابه الأشهر والأكثر انتشار ( بركة الاهداء ! ) في العالم ( أنبياء الله  ) ..

لو انه تكرم وسمح ، بأن أضع خدي على التراب وأبكي حتى ينبت العشب من دموعي .. فسوف أهدي الكتاب إليه .. إلى الروح الامين جبريل عليه السلام .. إيمانا بالغيب .. وخشوعا للجلال .. واعترافا بفضله على البشر ، بوصفه رسول رب العالمين إلى الانبياء ، مع اعتذار عميق وخوف مشفق .. لجرأة الطين الخاطئ على مجرد التوجه إليه بالحديث فضلا عن الاهداء . (4)

هل هي علاقة محب وعاشق صوفي بما أن سيدنا رسول الله يحبه ، والله سبحانه وتعالى والملأ الاعلى يحبونه ؟  هل لأنه قريب ومرتبط برسالات الانبياء ؟  هل لأنه رمز الخير كما سماه أستاذنا في كتابه ( أنبياء الله ) ؟ أم هل لأنه يشكل معنى الرحمة التي سعى لها أستاذنا تحقيقا في كل وجوده وغايات سعيه وتفضيلاته الشخصية ؟ ..

تزداد هذه العلاقة جمالا وتكثفا بل ودهشة عندما نتعرف على إجابته على سؤال آخر : لمن تهدي كل كتبك ؟

كل الكتب التي كتبتها أهديها لسيدنا جبريل فعندي إحساس أن سيدنا جبريل ممكن يطلب لنا الإذن من الله تعالي بالشفاعة, رغم علمي بأنه لن يسمح لأحد يوم القيامة بالكلام إعمالا لقول الله تعالي في سورة طه وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا وقوله تعالي في سورة النبأ يوم يقوم الروح والملائكة صفا إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا و الروح هو سيدنا جبريل, كما أن سيدنا جبريل ينزل كل عام في ليلة القدر ومعه الملائكة بإذن ربهم يستغفرون لعباد الله . (5)

 

مع المحبين 

كما وضحنا أن الاهداء طريق لمعرفة شخصية المؤلف وأسلوبه في الكتابه ، وانطلاقا من هذه الفكرة نتعرف على أحمد بهجت كعاشق كبير وصوفي الروح والهوى ، وإن لم يكن يفضل التصريح بذلك ، وعند الحديث عن المحبين فلابد من أن نذكر سيد المحبين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، في كتابه ( الله ) سأعرض لكم هذه الكلمات التي تقطر محبة وعرفان .. 

إلى محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم .. أهدي هذا الكتاب .. لو استطاع المسلمون أن يفرشوا جلودهم على الأرض كي يسير فوقها النبي ، ما أعطوه حقه من الوفاء ، فلولا احتماله العناء في الله ما عرفنا الله .. (6)

اهداء لسيدنا محمد ! ، ولا يتوقف العجب في اختياره المهدى إليه ، بل في كلمات الاهداء التي  تضئ حبا وامتنانا ، فأنا شخصيا احفظ هذا الاهداء عن ظهر قلب من شدة حبي له .. إنها كلمات تختصر الكثير من الحب ..

يكمل أحمد بهجت مسيرته في المحبة عبر كتابه ( مذكرات صائم ) .. عند العنوان يتوقف القارئ ويأخذ فكرة عن الكتاب .. يظن أنه مذكرات لشخص صائم عن أحوال رمضان .. ولكن عندما يقرأ الاهداء يكتشف أنه امام شئ مختلف .. اذا كانت هذه العتبة فلابد أن يكون في النص شئ أعمق وأكبر من مجرد المذكرات الشخصية .. وكان الكتاب بالفعل كذلك ..

إلى ذي النون المصري .. إلى حرف النون في اسمه .. إلى النقطة الوحيدة في حرف النون ، إلى النقطة اليتيمة التي تبدأ عندها حسرات المحبين وتنتهي إليها آمال العاشقين .

إن دمعة وجد صوفي تحدرت على وجهك ، وقطرة عطر سقطت من ردائك ، وبعض نور انسكب من كلماتك ، قد صنعت معا روح سيدي ومولاي الصوفي ..

شمس الدين

وهي روح أنا فيها وبها ومعها ولها ومنها وإليها .. والكتاب هدية لهذه الروح ..

وفاء لحظة الصدق التي وضعنا فيها يدنا على الكتاب الكريم كي نأخذ العهد ألا يخون أحدنا الله ، وإن أغفلنا أن نقسم ألا يخون أحدنا الآخر ، لم نغفل ذلك وإنما نسيناه ، لم ننسه وإنما لم يعد لنا بعد ضمان الوفاء لله أن نطلب أي ضمان آخر ..

قد يبدأ الكتاب بفكرة المذكرات المعتادة ولكنه ينحرف في وسطه ليتجه إلى بعد آخر موازي لهذا العالم ، إلى عالم نوارني بحري ووجداني .. ولا أريد أن أحرق الكتاب عليكم ولكن ما أردت توضيحه هنا أن الاهداء يحمل في طياته أسرارً ومؤشرات عن محتوى الكتاب .

 

  1. الطريق إلى الله – صـ67
  2. ويكيبيديا – عبدالعزيز البشري
  3. http://www.ahram.org.eg/archive/Culture-world/News/37147.aspx
  4. أنبياء الله – الاهداء
  5. http://www.ahram.org.eg/archive/Culture-world/News/37147.aspx
  6. الله في العقيدة الإسلامية – الاهداء

 * المقال هو فصل مجتزأ من كتابي ( كيف لأحمد بهجت أن يغير حياتك )