نعاني بشكل عام من فهم خاطئ لمصطلح الاسطورة، ولا بأس في ذلك ان علمنا انه و حتى الباحثين الغربيين لا زالوا يعانون من تحرير مصطلح الاسطورة الى الان، وتعود الاسباب لعدة عوامل يصعب تلخيصها، وأهم هذه العوامل هو ان السومريون والاغريقيون لم يميزوا في الواحهم ومخطوطاتهم بين النصوص الاسطورية والنصوص البطولية والنصوص الملحمية ونصوص الصلوات والاناشيد وغيرها! بل تركوها متداخلةً مع بعضها البعض،
وهذا مأزق يوضّح لنا ان مجال الاسطورة منذ بدايته لم يتميز بخصائص مرجعية متفق عليها، ولكي نتمكّن من تعريف معنى الاسطورة –ومن ثم فهم الاساطير- فنحن مضطرون في البداية للاجتهاد في وضع منهجٍ استقصائيٍ خاص، يصف الاسطورة وخصائصها وظواهرها بدقة قدر المستطاع، وهذا ما اجتهد فيه مجموعة من علماء الميثولوجيا وتاريخ الحضارات مثل ميرسيا الياد وكلود ليفي شيتراوس وجوزيف كامبل وفراس السواح وغيرهم.


سأحاول في هذا المقال مناقشة تصوراتنا النمطية التي نعرفها عن الاساطير، وأوضّح ان الاسطورة هي ابعد من كونها قصة خرافية لا تمت للواقع بأي صلة.
احدى اهدافي في حواراتي مع اصدقائي المهتمين وغيرالمهتمين بالأساطير هي محاولة اثبات ان للأساطير معاني سواءً علمناها او لم نعلمها، والسبب يعود ببساطة الى سعي الاسطورة المستمر لأن ترتبط بما هو مقدس ومتعالٍ عن ما هو عادي في حياتنا اليومي التي تحتاج الى انعاش مستمر وارتباط قوي قدر الامكان بالطاقات والقوى التي اخرجت الوجود من لجة العماء وتساهم في كل لحظة على استقراره، وهذا الارتباط منوّطٌ بالطقوس والصلوات والاناشيد التي ان فهمنا اسرارها فستتكفل بجعل ايامنا أكثر ثراءً وكثافة وعافية روحية.


من الضروري ان نميزّ دائماً بين الاسطورة وبين الاجناس الادبية الاخرى مثل الخرافة والحكاية الشعبية والقصة البطولية والقصة الملحمية. تتميز هذه الاجناس بعدة خصائص تختلف تماماً عن خصائص الاسطورة، وعلى الرغم من تشابهها مع الاساطير لاحتوائها على كائنات ما ورائية و خارقة ، الا ان هذا لا يجعلها مقدسةّ مثل الاسطورة، فالقداسة هي اول خاصية من خصائص الاساطير، وهي ما تميزها عن غيرها من أجناس القصص الأدبية الأخرى.

الاسطورة من حيث الشكل هي قصة، تحكمها مبادئ السرد القصصي من حبكة وعقدة وشخصيات، وغالبا ما يجري صياغتها في قالب شعري يساعد على ترتيلها في المناسبات الطقسية وتداولها شفاهة، وايضاً تتمتع بسلطان على العواطف والقلوب لا يتمتع به النص النثري .
تتميز الأسطورة عن الفلسفة في كون الفلسفة عقلية، والأسطورة حدسية. والفلسفة في الحقيقة هي حالة تفكير منعزل، يقوم فيها الفيلسوف بإنتاج افكاره بنفسه، في حين أن الاسطورة هي نتاج ثقافة ووجدان جمعي، فعندما يقوم الكهنة والحكماء بإنتاج افكارهم ونظرياتهم –على هيئة أساطير- إذ انهُم لا يمارسون نوعاً من التفكير العقلي الانعزالي، وانما نوعاً من التأمل الحدسي المفتوح، الذي يسمح للعديد من الحكماء والكهنة والعرافين والفلاسفة الحدسيين بتطوير هذه الافكار والتصورات طوال تتابع الأجيال.

تلعب الآلهة وأنصاف الآلهة الادوار الرئيسية في الاساطير، وظهور الانسان فيها هو لدور تكميلي وليس اساسي. وهذه احدى اهم الملاحظات الدقيقة التي علينا ان نأخذها بعين الاعتبار، لان هناك قصصاً كثيرة تدور احداثها حول شخصيات بشرية وتسمى اساطير وهي ليست كذلك، لان الشخصيات البشرية لا تقوم بخلق الكون ولا تقوم بإنبات الزرع ولا تقوم بالقبض على أرواح البشر، وكذلك لا تقوم بتشكيلهم في بطون امهاتهم.


كل هذه الوظائف هي من أدوار الآلهة في مختلف الأساطير، وكل هذه الوظائف كما هو ملحوظ، متعلقة بضروريات الحياة وشروطها، وهذه خاصية اخرى من خصائص الاساطير، لان القصص الاسطورية التي تناقش القضايا الانسانية لا تعد اساطيراً وانما حكايات شعبية او بطولية، مثل القصص الاخلاقية عن الوفاء والخيانة والقصص التطبيبية التي تصف الترياقات العلاجية وانواع البخور الطاردة للأرواح وامثالها من القصص التي لا تناقش أي شرط يدمّر حياة البشر عند انتفائه.


الأساطير وجدت كمضادات اكيدة للاكتئاب وللشعور بعبثية الحياة، ولإثبات ان للحياة معنى، وهي تعدّ من المحاولات الأولى للإنسان في طرح الأجوبة على أكثر الاسئلة تعقيداً وشهرة: من أين جئنا؟ كيف نعيش؟ والى اين نذهب بعد ان موت؟
سعت الأساطير أيضاً للإجابة على الكثير من الأسئلة التي لا زالت تراودنا حتى الان، كتلك الأسئلة المتعلقة بالظواهر الطبيعية الملغزة مثل تبدل فصول السنة ومثل هطول الامطار وخروج النباتات من الارض. لقد كانت هذه الظواهر تؤيد فكرة ان خلف هذه الحياة قوى وطاقات لا مادية تساهم في صيرورتها، لذلك نجد في كثير من الاساطير محاولات حثيثة لتصوير الانتظام الكامن في الكون.

سأسرد واحدة من الاساطير التي هدفت الى تفسير احدى الظواهر التي لازالت تتكرر علينا عاماً بعد عام، وسنرى كيف قام الانسان البسيط في الأزمنة الاولى برسم لوحة فنيّة من العبارات والاستعارات التي هدفت الى التخفيف من حدة لغز هذه الظاهرة وتجعلها منطقية قدر المستطاع. أقدم لكم أسطورتنا في هذا المقال، أسطورة ديمتر وبيرسفوني، ويتلوها شرحٌ مختصر لها:
" في يوم من الأيام، كانت برسفوني تجمع الأزهار في البرية، عندما انشقت الأرض وظهرت عربة الإله هيديس إله العالم الأسفل، الذي اختطفها ومضى بها الى غياهب الظلمات. سمعت ديمتر صرخات استغاثة ابنتها برسفوني التي ملأت أرجاء الارض، وهرعت لنجدة ابنتها ولكن الارض كانت قد التأمت وضاع كل أثر يدل على مسار هبوطها الى العالم الاسفل. اتشحت الإلهة بالسواد وراحت تجوب اصقاع الارض بحثاً عن ابنتها وقد اضاءت الكون بمشاعلها الملتهبة ولكن من غير طائل.
وعندما نال منها اليأس اشارت عليها الإلهة هيجات أن تستخير نبوءة الإله هليوس الذي كشف لها سر اختفاء برسفوني، وأخبرها بأن هيديس قد حملها الى العالم الأسفل لتكون زوجته وملكة على الأموات.
عند ذلك قررت ديمتر الانتقام من كل الآلهة لسماحهم بما حدث، فمنعت قواها الإخصابية عن الارض التي تحولت الى حقول من الملح لا تنبت ولا تزهر، وهددت المجاعة كل الاحياء على وجه الارض.
اضطرب الآلهة لما حصل، وجاؤوا الى ديمتر واحداً تلو الاخر ليرجونها أن ترفع لعنتها عن الأرض، ولكنها اشترطت ان تعود اليها ابنتها اولاً. ولما يئسوا من اقناعها، وبصفته رئيس مجمع آلهة الأوليمبس، امر زيوس الاله هرمز أن يمضي الى هيديس فيبلغه عن رغبته برجوع برسفوني الى امها.
وافق هيديس على اعادة برسفوني الى امها بشرط ان تقضي برسفوني ثلث السنة مع زوجها في العالم الاسفل، وثلثي السنة مع امها في العالم الاعلى. عند ذلك أعطت ديمتر اوامرها للطبيعة، فأورقت الاشجار وازدهرت وملأت الخضرة سطح الارض.
الا ان ذلك لن يدوم طويلاً، فما أن يحين موعد عودة برسفوني الى عالم هيديس، حتى تيبس الاشجار مرة اخرى وتصفر النباتات ويكفهر وجه الارض، مشاركة للأم في حزنها الجديد."

تصوّر لنا هذه الاسطورة واحدةً من الظواهر المدهشة في الحياة، وهي ظاهرة تبدّل فصليّ الربيع والخريف، أليس هذا رائعاً؟!
برسفوني في هذه الأسطورة هي الربيع الذي يصعد من باطن الارض ويفتّح كل الزهور، وغضب ديمتر هو الخريف الذي يجفف كل المراعي والحقول. احب ان انوه هنا الى ان الاساطير لا تروى لغرض الرواية فقط، بل هدفها ان تدلنا على ما يجب علينا فعله، لذلك يرافق العديد من الاساطير طقوساً خاصة بها، وهذه الطقوس تعدنا للحالة الروحية والنفسية والصحية لاتخاذ الموقف المناسب في هذا العالم. وفي الحقيقة كانت هناك طقوسٌ قام البشر الأوائل بممارستها لكي يساهموا في رجوع برسفوني الى امها.


لهذه الأسطورة أبعاد عديدة وشروحات اختلف العلماء فيها، وما يهمنا هنا هو ان نعرف ان الأساطير اعمق من ما تبدو، وان لها معانٍ تتكشف للباحث بحسب اجتهاده في فهم مراميها.
ومن الخطأ التسرع في الحكم على الاساطير بأنها بدائية، لكونها تدور في كثير من الاحيان حول المجهول، وحول أشياء لا نملك منذ البداية كلمات للتعبير عنها.
حضارتنا الحالية لا تتعاطف مع الاساطير، وتنعتها بالبدائية، ولكن، هل يعد البحث عن الانتظام الكامن في الوجود بدائياً؟ وهل الفلسفة والعلم وحدهما الذين تفضلوا علينا بالإجابة على اهم اسئلتنا الوجودية في حياتنا؟


وفي النهاية، أعتقد بأننا نتفق جميعاً على أن
الأساطير التي تعيش لقرون، تعيش لسبب!!