ذكرت الثرثارة التشيلية الفاتنة ايزابيل الليندي في كتابها الأليم "باولا" أنها عاشت في بيت مليء بالمشاكل مما أدى إلى انفصال والديّها في وقت مبكر، فعاشت في بيت جدها لأمها، والذي كان مجرد النطق باسم والدها فيه من المحرمات!
‏ذكرت أن قبو بيت جدها مرمى لكل الخردوات، والأثاث المكسر، وجميع الأشياء التي لا حاجة لبقائها في المنزل وكان مكاناً موحشاً حتى إن الخادمات يخشين النزول اليه خوفاً من الأشباح .
‏و حتى تحطم هذا الرعب الذي تولد في نفسها نزلت إلى القبو يوماً بحثا عن الأشباح، لكنها لم تجد أشباحاً ولكن وجدت من ضمن الأشياء التي هناك صندوقاً منقوشاً عليه الحروف الأولى من اسم والدها فتحته فكان به مجموعة من الكتب القيِّمة، قالت عن ذلك الصندوق فيما بعد :
‏"إنه ميراث خرافي أضاء سنوات طفولتي"*
‏..
‏أبي رحمه الله يتقاطع مع والد هذه التشيلية أيضاً في هذا الإرث، لقد ترك لي ميراثا خرافيا أضاء سنوات حياتي بأكملها، وليس طفولتي فقط.
‏في طفولتي كان أبي يحمل لي القصص والحكايات وأنا بعد لم أدخل المدرسة، وأنا بعد لم أتعرف على الحروف، ولكن الشيء المثير لي في تلك المرحلة هو تلك الكتب المصورة التي تثير دهشتي وتربطني بنوع من الصداقة مع شخصياتها وأبطالها .
‏كم من مرة أستيقظ صباحاً وأجد تحت "مخدتي" مجلة السندباد أو علاء الدين أو مجلة ماجد.
‏كان أبي حريصاً أن يكون بيني وبين الكتاب علاقة وطيدة قبل أن أدخل المدرسة!
‏..
‏بعد أن دخلت المدرسة وتعلمت القراءة والكتابة انتقل الى طريقة أخرى من طرق التحفيز وهي المكافأة على القراءة فقد كان يقول لنا : "من يقرأ كتاب كذا فله كذا وكذا من الريالات"
‏وفعلاً يكون عند وعده .
‏طبعاً كان يراعي نوع الكتاب الذي نقرأه أن يناسب المرحلة التي كنا فيها .
‏ولم يكن يتردد في إعطاء المال عندما تكون السلعة كتاباً!
‏ثم سلك أبي طريقة ثالثة وهي نفس الطريقة السابقة غير أنه كان يختبر معلوماتنا بعد القراءة بسؤال أو سؤالين.
‏وفي كل مرحلة من مراحل القراءة تقل الصور والرسومات في الكتب وتكثر الكلمات والمعلومات .
‏كانت هذه طريقة أبي حتى نهاية المرحلة الابتدائية.
‏حينها كنت أحب الكتب، ولم أحب القراءة بعد!
‏ذات مرة سمع أبي أن المدرسة افتتحت مكتبة، فكان أبي من الداعمين لتلك المكتبة.
‏كنت أرى بعض كتبي وقصصي في أيدي الطلاب وكنت أشعر بغيرة شديدة، والسبب أن هناك علاقة وصلة مع هذه الكتب حتى وإن لم أكن قارئا..
‏ عندما وصلت المرحلة المتوسطة، توقف أبي عن هذه طرقه، خلع أبواب خزانات الكتب، والتي كانت مغلقة في السابق، نزع تلك الأبواب وترك المكتبة مشرعة.
‏الكتب حيوات، والمكتبة عالم، النظر إلى المكتبة يجلو البصر، ويبعث نوع من البهجة، لها منظر ساحر يدفع الجميع لمعرفة محتواها وأسرارها، كل كتاب من الكتب، وكل عنوان من العناوين بوابة إلى عالم مستقل بذاته.
‏أبي نجح في جمع مواد مكتبته، حيث اشتملت على جميع العلوم والمعارف وكُتّابها من جميع أقطار العالم، عرب وعجم متقدمين ومتأخرين.
‏ لم أر في حياتي مكتبه مثل مكتبة والدي ليس في كثرة الكتب ولكن في تنوع محتواها كانت حديقة غناء، التنزه فيها لا يمل أبداً.
‏..
‏في أواخر المرحلة المتوسطة، كانت تنتابني لحظات اكتئاب مرعبة، أذكر أن فراشي الذي كنت أنام عليه كان بجوار المكتبة تماما، ذات مساء كئيب، جلست، أسندت ظهري على الكتب، مددت رجلاي للفراغ السحيق، ثم كانت تلك اللحظة الفارقة، ذلك المنعطف العظيم الذي أتذكره دائما، اتكأت يدي على رف المكتبة المغبر، ثم وقعت يدي على كتاب، سحبته كان عنوانه "سطور مع العظماء" لمحمد كامل المحامي كان ذلك في مساء يوم من أيام عام 1992م.
‏أتذكر تلك اللحظة التي بعدها أصبحت قارئا نهما، لدرجة أن أبي أصبح يخشى على تحصيلي الدراسي بسبب القراءة، بعد ربع قرن من تلك اللحظة أصبح/ت كاتبا، وأصبح أبي يقرأ لي/ له لا فرق.
‏ساهمنا أنا وأبي في توسيع المكتبة، والحرص على الاختيارات، وكان له اهتمامات مختلفة عن اهتماماتي ساهم هذا في إثراء المكتبة، لدرجة أنها أصبحت مقصدا لكثير من الباحثين، وطلبة العلم، وبعض الأكاديميين.
‏تمر الأيام تتوسع المكتبة، يستغرب العامة، يكرر أبي عبارته الخالدة "المال يذهب، والكتب تبقى" نعم تبقى لنا، وتبقى للأجيال القادمة بعد رحيلنا.
‏ أتذكر قبل وفاته بيوم تحدث عن المكتبة، أن نحافظ عليها، أن نجعلها للقراء إذا أرادوا أن يستعيروا، ثم صمت، وبدأ يتحدث عن إدريس ومعراجه العظيم نحو السماء.
‏ترك أبي بعد رحيله كتبا مخطوطه، كانت مشاريع أبي مؤجلة، وأتصور أن السبب رغبته أن يكون منحازا للقراء، بعيدا عن محاولة التأليف، لهول مسألة الكتابة في نظره رحمه الله.
‏أبي ترك الحياة، وخلّف مكتبة، وغرس في كثير من أحبابه وأقاربه حب القراءة، وتقدير الكتاب، وهذا عمل إنساني عظيم، لا أتصور جلالة قدره وعظيم أثره..
‏..
‏"الآن وبعد أكثر من أربعين عاماً من الاحتراق بنار الكتب اللذيذة،
‏ما زلت أتلفت حولي كلما أنهيت كتاباً ما، فلا أجد أحد..
‏فأضم جسدي بيدي مغمضًا عيني، متخيلا عناق أبي لي.
‏أمشي بهدوء أمام رفوف مكتبة عامة أو خاصة، 
‏ألمس الكتب بيدي، أو عيني؛
‏ فأرى في الزاوية أبا ثمانينياً يعانق كهلاً أربعينيا" **
‏_____________
‏*باولا، إيزابيل الليندي.
‏**خطأ النادل، زياد خدّاش.