كتب الموسوعات أو الكتب الموسوعيّة هي من أفضل مايبدأ فيه الشخص بالقراءة، بفضل تنوع مواضيعها، يمكنك أن تلتقي بموضوع قد يهمّك لتبدأ بعدها رحلتك الخاصة مع الموضوع المحبّب إليك حيث تكتشف نفسك فيه أكثر، لكن المشلكة أنّ الاستمرار بقراءتها دون غيرها قد يوحي بأنّ ما لديك ليس إلا مجموعة بيانات مخزّنة، وهذا ما يجعلنا نشعر أحيانا بأنّ بعض الأشخاص ليسوا إلا بنكا للمعلومات لا أكثر. كيف تستطيع إستثمار رصيدك في هذا البنك المعلوماتيّ؟ وبالمناسة الفكرة حول قرّاء الكتب الموسوعيّة قد تنطبق على من يقرأ فقط نوعا معيّنا من الكتب بشكل غزير، مثل قرّاء الروايات والأدب. إذ أنّ لديهم رصيد عالي من المعلومات وإن كانت كلّها في عالم الرواية والأدب ولكن يمكن بالنهاية الخروج منها بمعلومات خارج ذلك النطاق.

المعلومة تشبه إلى حدّ ما العناصر الكيميائيّة، بخلط معلومتين قد تحصل على معلومة ثالثة جديدة تماما مثل خلط العناصر وهو مايشبه الجمع والربط بين ما بين يديك من معلومات لتصل لاستنتاج يمنحك معلومة جديدة ومعتبرة. بالطبع خلط كمّ أكبر من المعلومات سيعطيك نتائج أكثر ولكن معقّدة. هذا ليس إلا شكلا من أشكال تكوين معلومات جديدة من معلومات قديمة. أتذكّر أحدهم سأل "كيف تواصل المسلمون الفاتحون مع سكّان البلدان المفتوحة من ذوي اللغات المختلفة؟" الكلّ يرى خريطة شاسعة للدولة الأمويّة ويعرف أنّها دولة مسلمة عربيّة ولكن بالواقع انّها دولة متعدّدة اللغات فهنالك مدن كثيرة لم تتحدّث العربيّة إلا أحفادها ومع ذلك لاتذكر كتب التراث ذلك كثيرا ، إذ أنّ ذلك كان يعتبر حقيقة معروفة لدرجة لاتستحقّ التنويه والذكر ولم يكن الإنسان في تلك الأزمان مهتمّا بتلك الظواهر وهذا ماجعل الإنسان الحاليّ المهتمّ بها يعنى بالتعرّف عليها ولكن عن طريق معلومات ثانوية وجانبيّة لعلّ توفيقا في جمعها يوصله ذلك إلى مايود معرفته حول تلك الظواهر.

كتب التاريخ مهما بدت ميّتة فإنّها حيّة من خلال بعض المعلومات التي تذكرها، والتي لها صدى خافت يفتح تساؤلات عدّة. مثلا الإمام الغزالي ألّف عدّة كتب معروفة ومشهورة وكلّها بالعربيّة ولكن أحدها ألفه باللغة الفارسيّة وهو "كيمياء السعادة" إن هذا يفتح بابا لتساؤلات عدّة، حول أمور كانت في زمنها أشياء معروفة ومثل تلك الأمور مع الأسف لاذاكرة\كتب لها، كونها أمور لم تثر علم الإنسان بعد والآن بات عليه بناء تاريخ لتلك الأمور من جديد إذ أنّها حاليّا تحتلّ مكانة كبيرة في معرفة المجتمعات البشريّة الحاليّة وفهم الإنسان والعالم الذي يعيش فيه. إلى أيّ حدّ كانت كتب اللغة الفارسيّة منتشرة؟ إذ يقال بأنّ الغزالي ألّفه بالفارسيّة ليصل إلى شريحة أوسع من القرّاء، ذلك قد يوحي بوجود كتب عديدة باللغة الفارسيّة وبمواضيع مختلفة، فالعربيّة مناسبة للمواضيع الدينيّة والأدبيّة ولكن هل ذلك يعني بأنّ هنالك مواضيع معيّنة تطرقت لها كتب اللغات الأخرى؟ كل ذلك يمكن معرفته ولكن لايمكن العثور عليه مباشرة في كتاب ما. أيضا مقولة أبي عمرو بن العلاء:"ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا .. " هذا يوحي بالكثير من الحقائق التي لم تذكر بالكتب ولكنّها كانت معروفة في عصرها ومع مرّ السنين اختفت تلك الحقائق، إلى أيّ مدى هي هامة لفهم التاريخ البشري ومجتمعه؟

 ولتبدو الصورة أوضح في كتاب اسمه (الطعام والمجتمع في العصر الكلاسيكي) لبيتر غرانسي من الأشياء التي نوّه بها المؤلّف مدى صعوبة العثور على معلومات حول هذا الموضوع، أشياء كانت معروفة ومسلّمة مثل: إلى أيّ حدّ عانى الناس من سوء التغذية؟ ومامدى تأثير ذلك على صحّتهم ومعدّل الأعمار؟ من أين يأتي الناس بطعامهم؟ وكيف أمكن إطعام المدن المكتظّة بالسكّان مثل روما  ومدى اهتمام الناس بمذاق طعامهم؟ كلّ ذلك لايمكن إلا من خلال الاستقراء إذ لايوجد كتاب مباشر أو بحث مباشر حول ذلك. ولم يكن الطعام إلا مجالا نال الاهتمام بالعصور الحديثة لأنه من خلاله يمكن فهم المجتمع البشريّ كثيرا وهو مالم يكن مفهوما بالسابق ولذلك لم يذكر ذلك قديما. بفضل الاستقراء وجمع المعلومات يمكننا القول بأنّ الكتب تولّد كتبا أخرى بالإضافة إلى التفاصيل المهملة التي لم تذكرها كتب التاريخ، توجد أمور أخرى ذكرتها كتب التاريخ أو بالأحرى ذكرتها الروايات ورسمها الرسامون ولحسن الحظّ الكثير من التفاصيل يمكن الرجوع إليها من خلالها وقد وصلت إلينا بتلقائيّة دون قصد. إلى أيّ حدّ يمكنك معرفة الكثير عن عالم الموضى والاهتمام بالمظهر من خلال لوحات الرسامين؟ لاشكّ يمكنك معرفة الكثير عند تأمّلك لوحات رينوار مثلا وهو يرسم الحياة الباريسيّة وتجمّعاتهم وديجا وهو يرسمهم في بيوتهم وخارج بيوتهم. بالروايات يمكنك أحيانا التعرّف على السلع الرائجة في ذلك الوقت وعلى ذوق ذلك العصر ونوعا ما على أدبيات الحوار بعفويّة، من خلال المحادثات مثلا أو عندما ذكر بلزاك برواية (النسيبة بت) على لسان أحدهم وهو يحاول أن يعده بإحضار البنّ الرائع من اليمن. لهذا قرّاء الروايات محمّلين بالكثير من الحقائق الجانبيّة والتي قد لايدركونها. فبلزاك رواياته مليئة بهواجس البرجوازيين ومظاهر ذلك المجتمع، أمّا فيكتور هوغو تشعر بأنّ يستحضر دائما المثل العليا للبشر أو المثاليّة إنّك تجد فيه وفي غيره الإعجاب بتلك المثل العليا من خلال عناوين اللوحات الفائزة بجائزة روما Prix de Rome خاصة بالرسم. والجوائز وهي من غير قصد ربما تنبؤك كثيرا عن الذوق الرسمي لكلّ العصور.

ولكن بعض المواضيع والكتب لها قدرة على تحفيز مافي جعبتك لإظهار كلّ مافي مكنونها. وإن بدت المعلومات سطحيّة إلا أنّ كثرتها وتكرارها يتيح مجالا لعمقها. الويكيبيديا مثلا وهو مصدر يعتبر غير موثوق أحيانا لكنّ فيه ميزة جوهريّة وهي الربط السلس بينها. ولا أدري ولكن أعتقد بأنّ هذه الميزة لم تكن في الحسبان، امكانيّة الدخول عبر روابط لاتنتهي من موضوع لآخر عبر علاقة ما لتكوين صورة أشمل مع وجود هامش يجمع القواسم المشتركة بين كلّ موضوع كلّ هذا عبارة عن صورة مصغّرة لما في عقل القارئ من حقائق ومعلومات، وبالاخير وبخصوص من يحبّ قراءة كتب الموسوعات أو الروايات والتاريخ : ماهو الموضوع أو الكتاب الذي تودّ أن يؤلَّف عنه في يوم ما؟