فيما مضى كنت لا أستطيع النوم قبل أن أقرأ 30 صفحة من رواية. أما الآن فأشاهد الأخبار حتى وقت متأخر.

يجدر بأحدهم أن يكتب عن تاريخ ممارسة القراءة قبل النوم، مع أنه قد سبق لألبرتو مانغويل تأليف كتاب بديع بعنوان: تاريخ القراءة، ولكني أفكر في أوقات وأسباب القراءة قبل النوم على وجه الخصوص: متى بدأت، وما الفرق الذي أحدثه وجود الكهرباء في ذلك، ازدهار الخصوصية وتلاشيها، وما إذا كان أخذ كتاب إلى الفراش بات أمراً نادراً الآن، لاسيما في عصر مليء بالمشتتات، مقارنة بما كان عليه الحال في الماضي.  

قد يبدو هذا عملاً شاقاً، لكنه قد ينتهي ليكون لمحة تاريخية موجزة. فعهد محو الأمية لم يمضِ عليه زمن بعيد كما وأن ترف النوم في غرفة مستقلة لم يكون موجوداً حتى وقت قريب؛ فلا يمكن أن يكون هناك أي متعة في وجود خمسة أشخاص معاً على نفس الفراش؛ حيث يقهقهه أحدهم على كتابات "القبطان سموليت في جزيرة الكنز" بينما يصرخ الأخر بهستيريا حنقاً على "هيثكليف بطل قصة مرتفعات وذرينغ" والشمعة على وشك الذوبان، إلا إذا كانت المتعة التي ينشدونها مختلفة تماماً. أما الآن وقد بات لدينا تسهيلات تساعد على القراءة الممتدة دون انقطاع خلال الليل، فكم شخص منا انتفع بهذه التسهيلات؟

أنا لا أشير بإصبع الاتهام لأي أحد. فقد مرّ وقت طويل منذ أخر مرة قرأت فيها كتاباً  على السرير. ذات مرة لم أستطع النوم حتى تمكنت من قراءة ما لا يقل عن 30 صفحة من إحدى الروايات. صحيح، فالنوم بين  ذراعي "إليزابيث بينيت بطلة كبرياء وهوى" أو "قصة السيدة صاحبة الكلب الصغير لشيكوف" كان أفضل من النوم الذي أبحرت فيه في "رواية قلب الظلام"  أو سرقت ملفاً لـ"ماغويتش، ذاك الشرير في قصة تشارلز ديكنز"، ولكن النوم الذي تستحثه الكلمات كان عميقاً على أية حال. 

أما الآن فأشاهد الأخبار حتى وقت متأخر. ويقوم الآخرون بالهجوم على مجموعة مسلسلاتهم المفضلة، لكن ذلك ليس مماثلاً للتدثر في السرير مع كتاب جيد. أنا لا أقول أن الفارق نوعي، حيث أن هنالك نوع من الحميمة في قراءة ما قبل النوم قد يكون أمراً متعلقاً بالوسائد والأغطية، بل وربما كان متعلقاً أكثر بالسعادة الناتجة عند تحريك عينيك عبر الصفحة.  

بوسع الكلمات أن تبقي أي قارئ مشغولاً في أي وقت، لكنك تشعر أنك استحققت النوم بعد صراع مع "ملاك المعنى" في نهاية يوم طويل. فبغض النظر عن شدة الصراع الداخلي الذي قد يعانيه الإنسان، تساعد قراءة ما قبل النوم في الحصول على هالة من الهدوء المحقق. ولنكن صادقين: فإن مشاهدة من نحب جالساً في السرير مرتدياً "ملابس النوم المريحة"، يقلبون الصفحات على ضوء الشموع، وهم يطفون فوق إيحاءات الكلمات، يفوق مراقبتهم على حافة مقاعدهم ، يعضون على أناملهم من القلق.

هنا أتذكر أمي – والتي كانت قارئة سرير رائعة - ووالدي الذي لم يقرأ كلمة واحدة في حياته، نائماً بسلام إلى جانبها،  مدركاً بأنه على الرغم من  كونها تعيش في عالمها الخاص، إلا أنه واثق بأنها كانت معه. فهي على بعد صفحة واحدة عنه. 

 * مراجعة : علي الضويلع 

المصدر