"جميع عناصر الكتابة الجيدة تعتمد على مهارات الكاتب في اختيار كلمة عوضاً عن أخرى"

القراءة والكتابة معقودتان بلا انفصال، والأدب -ككل الإبداعات الثقافية- تيهٌ من التأثير الأبدي، وفي حين يجادُل بعضهم أن الكتابة الجيدة يمكن تعليمها، يستمر السرد الثقافي بتخليد أسطورة "الهبة الإلهية"، أو الموهبة الفطرية، أو ما سماها تشارلز إيماس "مفهوم الموهوبون القلائل".

في كتاب القراءة كأنك كاتب، دليلٌ للناس المحبين للكتب والراغبين بالكتابة، انطلق فرنساين بروز بالبحث عن "كيف يتعلم فعل شيءٌ لا يمكن تعليمه" ورسمَ برنامجًا لتعلم فن الكتابة ليس من خلال بعض المناهج التعليمية المفروضة بل من خلال الاستيعاب والتلخيص , والنهل من الصفات الكثيرة التي تجعل من الأدب العظيم عظيماً، بدءًا من إتقان التفاصيل لفلانري أوكونور، ومرورًا بتنمية الشخصية الرفيعة لجورج إليوت، وانتهاءً بتكوين الجمل السحري لفيليب روث.

يمكن أن يبدأ العمل الفني بتفكيرك حول بعض المشاكل الجمالية أو الفلسفية، ويمكن أن يقترح بعض الطرق الجديدة وبعض الأساليب الحديثة للقصة، لكن العلاقة بين القراءة والكتابة نادرًا ما تكون واضحة جدًا،وأغلب الأحيان يكون الارتباط له علاقة بدوافع غامضة تجعلك ترغب بكتابتها أياً كانت، كأن تشاهد شخصًا يرقص وبسرية في غرفتك الخاصة محاولاً تجريب بعض الخطوات.

AAEAAQAAAAAAAAaMAAAAJDVjZWYxZjQ5LTY0ODYtNDZiMi04ZDBkLTEwOTA0ZmZmYTlkMA

أحيانًا أفكر بتعلم الكتابة عن طريق القراءة بنفس الطريقة التي بدأت بها القراءة، ولدي عدد قليل من الكتب المصورة التي حفظتها وتظاهرت أن باستطاعتي قراءتها، كأنها نوع من خدع الحفلات التي أقمتها لوالديَّ مرات عديدة، والذين بدورهم كانوا يتظاهرون بكونهم مستمتعين،لم أعلم بالضبط متى تعديت حد التظاهر بالقراءة للقدرة على القراءة فعليًا، لكن هذا ما حدث.

في عصر الخمسين ظلاً من الرماد، عرض بروز تحذيرًا في وقت مناسب ضد غزو الرأي العام في بنية الذوق الشخصي:"جزءٌ من عمل القارئ أن يكتشف لِم يستمر بعض الكتاب بالكتابة، وهذا قد يتطلب تجديد وحلّ خيط الارتباط الذي يجعلك تفكر بوجوب امتلاكك رأيًا حول الكتاب وإعادة ربط هذا الخيط بأي الجوانب التي تدعك ترى القراءة كشيءٍ قد يدفعك أو يبهجك، ستسيئ لنفسك إن حصرت قراءتك بالكاتب الصاعد الذي قد يبدو عقد شراء كتابين له بالملايين تلميحًا لأين يجب أن يتوجه عملك الخاص"

بالكثير من القراءة المتقدمة على نفسك، قد يتسارع الإغراء. لكن في الواقع من المهم أن تتباطأ وتقرأ كل كلمة؛ لأن أهم شيء يمكن تعلمه من القراءة بتأنٍ هو حقيقة ما يبدو بديهيًا لكن قُلل تقديره على نحو غريب وهو أن اللغة هي الوسيلة التي نستخدمها كثيرًا بنفس طريقة استخدام الملحن للنوتات الموسيقية، وبنفس طريقة استخدام الدّهّان للطِلاء.... كم هو مدهش سهولة فقداننا لرؤية حقيقة أن الكلمات هي المواد الخام التي يُشكّل بها الأدب.

كل صفحة كانت ذات مرة صفحة بيضاء، تمامًا مثلما لم تكن كل كلمة تظهر عليها الآن موجودة دائمًا, لكن بالمقابل تعكس النتيجة النهائية عدداً لا يحصى للمداولات الكبيرة والصغيرة.
كل عناصر الكتابة الجيدة تعتمد على مهارات الكاتب في اختيار كلمة عوضًا عن أخرى، وكل ما يلفت ويراعي اهتمامنا له علاقة بتلك الاختيارات.

مرددًا قناعة إليزابيث جيلبرت أن الجامعة مضرة لروح الكاتب، يعبّر بروز:

s-ELIZABETH-GILBERT-large640

"المرة الوحيدة التي قادني فيها شغفي للاتجاه الخاطئ كانت حين تركته يقنعني بالالتحاق بالجامعة، هناك أدركت لاحقًا أن حبي للكتب كان غير مشترك مع كثير من زملاء صفي وأساتذتي، استصعبت أمر استيعاب ما يحبون بالضبط حقًا وتملكتني رعشة من القلق أن ذلك سيبدو لاحقًا كتحذير حول ما سيحدث لتعليم الأدب على مر العقود أو إلى حدٍّ بعيد بعد أن أتخلى عن برنامجي للحصول على شهادة الدكتوراه. كان ذلك حين انقسمت الأكاديمية الأدبية لأحزاب متناحرة من الناقدين الماركسيين والأنثويين وهكذا دواليك، وكلهم يتشاجرون لأحقيتهم بإخبار الطلاب أن عليهم قراءة "النصوص" من ناحية تتفوق فيها الأفكار والسياسات على ما كتبه الكاتب فعليًا"

في نهاية المطاف تركت الجامعة وغدوت كاتبًا.

 

المقال الأصلي