في مقتبل قراءتك لهذه المقالة الأدبية قد يتراءى لكَ مِن عنوانها: مقالة شديدة اللهجة ذات سطور مُتهكِمة، هي بالفعل كذلك ولكن ليست بالإجمال فقد وَرِثت هذه الصفات من عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، عُرِفَ بتبنيه للنظريات الاجتماعية الحديثة في وقته، وهذا لغرض تحليل الواقع الاجتماعي من نواحي شتى، ذكر في إحدى مؤلفاته كتاب "الأَحلَامُ بَيْن العلِم وَ العقيدَة" مدى تأثير الأحلام على الفرد والمجتمع باعتبارها ظاهرة اجتماعية معروفة لدى المسلمين، مرتبطة ارتباطاً وثيقًا بين الغلو والعقيدة والعديد من العوامل الأخرى، حاك بينها خيوط صلة تكاد أن تكون بذاتها تفسيراً منطقياً كافياً لهذه الظاهرة.

 

أستطيع أن أجزُم بقولي هذا أننا من أكثر الأمم تأثرًا بالأحلام من الناحية الاجتماعية، فالكثير من عقائدنا وعاداتنا نشأت فينا ونمت من جرّاء ما نُسبغ على أحلامنا صبغة قدسية معتقدين بأنها تنطق بالوحي الذي لا يجوز الشكّ فيه، وبالطبع لم يقتصر تأثير الأحلام على مجتمعنا العربي فقط بل كان له نصيب من بلاد الغرب.

 

إن الإيمان بصحة الأحلام عادة قديمة ورثها الناس من الشعوب البدائية، فقد وجد الباحثون في الشعوب البدائية أن الإنسان البدائي لا يرى فرقاً كبيراً بين ما يراه في المنام أو ما يراه في اليقظة، فالأحلام في نظره إما تنشأ من جرّاء خروج الروح من البدن عند النوم، وهي في ذلك تتجوّل في الآفاق وتكشف الحقائق القريبة والبعيدة.

 

 

والمأثور عن النبي محمدﷺ أنه صنّف الأحلام إلى ثلاثة أقسام حيث قال: (الرؤيا ثلاث، رؤيا من الله ورؤيا من الشيطان ورؤيا ما يُحدِّث المرء به نفسه فيراه في المنام).

والظاهر أن المسلمين في عهودهم المتأخرة لم يعبؤوا بهذا التصنيف، فقد رأيناهم يعدون الأحلام كلها وحيًا من الله، حيث أهملوا الاعتبار بحديث النفس وحديث الشيطان، وصاروا يجدون في كل حلم إشارة إلى ما يُضمِر لهم الغد من مكنون الغيب.

 

وقد نشأ بين المسلمين من جرّاء ذلك مهنة خاصة وهي تعبير الرؤيا، فقد اعتبرت بأنها مهنة تمنح صاحبها مكانة اجتماعية مرموقة ومكسباً وفيراً.

 

وقد أصبح تعبير الرؤيا عند المسلمين علماً قائماً بذاته ومعترفاً به، وقد خصص ابن خلدون لهذا العلم فصلاً في مقدمته "ابن خلدون، المقدمة، ص٤٧٨"، وهو يختتم الفصل قائلاً عن علم التعبير: (وهو علم مضيء بنور النبوّة للمناسبة التي بينهما كما وقع في الصحيح والله أعلم).

 

ابن سيرين:

وأعظم من اشتهر بتعبير الرؤيا من المسلمين هو محمد بن سيرين، الفقيه المعروف، ويمكن تلقيبه بأرطميدورس العرب، وقد نسبت إلى ابن سيرين كتب عديدة في علم التعبير، والمظنون أنها ليست له كلها أو بعضها، فقد مات ابن سيرين عام ١٠٨ للهجرة، ومعنى ذلك أنه عاش في عصر لم يبدأ الناس فيه بتدوين الكتب على النطاق الواسع الذي رأيناه فيما بعد، وربما كانت الكتب المنسوبة إليه قد أُلّفت بعد موته ثم وضع اسمه عليها بغية رواجها بين الناس، وليس هذا بالأمر المستغرب بعد أن أصبح اسم هذا الرجل أسطورة ذات صيت عريض، وأخذ الناس يعزون إليه الخوارق على منوال ما فعلوا بيوسف الصديق.

 

ومما يجدرُ ذِكرُه عن أرطميدورس:

عندما انتشرت بين الإغريق القدماء عادة التأليف في العلوم المختلفة، ظهر من بينهم مؤلف اختصّ بدراسة الأحلام اسمه أرطميدورس، ونحن لا ندري على وجه اليقين هل سبقه من هذه الناحية أحد غيره أم لا؟

وكل ما نعرفه أن أرطميدورس أول مؤلف في موضوع الأحلام في تاريخ العالم، وقد كتب خمسة كتب تُرجمت إلى اللغة العربية في العهد العباسي، وكان لها أثر لا يُستهان به في التفكير الإسلامي.

 

ويعزو أرطميدورس الأحلام كلها إلى تدخّل الآلهة، ولكنه يقسمها إلى نوعين، فمنها ما هو صريح سافر ينبئ عن الغيب مباشرة، ومنها ما هو رمزي أو مُقنّع، ووضع أرطميدورس في كتبه قواعد لتفسير هذا النوع الأخير من الأحلام، وحين نقرأ كتبه نجد شبهاً غريباً بينها وبين الكتب المنتشرة بين المسلمين في تأويل الأحلام.

 

يعتقد أرطميدورس أن الرموز في الأحلام تستمد جذورها من شخصية الحالم ومركزه وظروفه وعادات مجتمعه، ولهذا يجب على مفسّر الأحلام أن يفهم هذه الأمور فهماً تاماً ليكون قادراً على معرفة ما ترمز إليه الأحلام من أنباء الغيب.

 

 

ترجمة أرطميدورس:

وبعد موت ابن سيرين بمئة عام تقريباً ترجم حنين بن إسحاق إلى اللغة العربية كتب أرطميدورس في الأحلام، فراجت بين المسلمين رواج كبير بين العامة كما لا يخفى.

 

وقد مّر على المسلمين زمان كانوا يعتقدون فيه أن الفكر اليوناني القديم هو خير ما أنتجه العقل البشري، ولعلّهم فرحوا حين وجدوا في كتب أرطميدورس ما يلائم المنقول من الحديث الشريف، فالمعقول والمنقول اتفقا إذن، وهذا أقصى ما يستطيع المسلم أن يحصل عليه من الأفكار سابقاً.

ومما يلفت النظر أن هناك تشابهاً كبيراً بين كتب أرطميدورس والكتب المنسوبة إلى ابن سيرين، ويعزو الدكتور توفيق الطويل هذا التشابه إلى تقارب التفكير بين الشعوب المختلفة في أمر الأحلام.

 

ولست أؤيد الدكتور الطويل في هذا الرأي، والذي أراه أن المسلمين قد تأثروا بأفكار أرطميدورس وبمنهجه فحذوا حذوه في تأليف كتبهم ولم ينسوا مع ذلك أن يضعوا اسم ابن سيرين عليها.

 

وربما كان كلا الرأيين صحيحاً!

 

 

وأما بالنسبة للأحلام والسلوك اليومي:

وصل الحال ببعض الناس أنهم صاروا لا يرون في منامهم شيئًا حتى يسرعوا في الصباح إلى مفسر الأحلام لكي يطلعهم على ما يخبئ لهم القدر فيه، وقد يتقاعس أحدهم عن سفر مهم، أو يلغي صفقة تجارية، إذا رأى في المنام إشارة الخطر حسبما يقول له المفسر.

 

وكان بعض المفسرين بارعين في استخراج الإشارة من كل رؤيا يراها أحد الحالمين، فينصحونه بما يجب عليه أن يفعله لينجو من شر محيق به أو ليحصل على خير منتظر.

 

وحين لا يجد الناس مفسراً حاذقاً لأحلامهم يلجؤون إلى كتب الأحلام المتوافرة في الأسواق، وهم يفضلون أن يكون اسم ابن سيرين عليها طبعاً.

 

وهذه الكتب تحتوي عادة على أبواب متنّوعة، فباب رؤية الله تعالى، وباب في رؤية الملائكة والأنبياء، وباب في رؤية الشمس والقمر والنجوم.. إلى آخره.

فإذا رأى المرء في منامه أحد هذه الأشياء أو غيرها، فتح الكتاب وبحث عن الباب الخاص بذلك الشيء، وسوف يجد فيها مرامه بإذن الله.

 

ومن هنا بدأت أهمية المفسر:

والناس يفضّلون المفسر على الكتاب، فالكتاب يعطي الأمور مجملة ولا يوفي التفاصيل حقها، أما المفسر فهو قادر على تأويل كل حلم بما يقتضيه المنام، وهو يراعي في كل شخص ظروفه وأخلاقه.

 

يُحكى أن رجلاً جاء إلى ابن سيرين يخبره عن حلم رآه حيث كان فيه يؤذن، فقال له ابن سيرين: (تُقطَعُ يدُك)، وجاء إليه آخر يخبره عن حلم يماثل حلم الأول تماماً، فقال له ابن سيرين: (تحج)، وقد دهش الحاضرون لهذا التناقض بين التفسيرين مع أن الحلم واحد!

 

وسألوا ابن سيرين عنه، فأجابهم بما معناه: إن الأول رجل تبدو عليه سيما الشر، والأذان الذي قام به في النوم يدلّ على أنه سارق، وسوف تقطع يده، وذلك بدليل قوله تعالى (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ).

أما الرجل الثاني فتبدو عليه سيماء الخير، وأذانه يدلّ على أنه سوف يحجّ إلى بيت الله الحرام بدليل قوله تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ).

فكان الأمر كما عبّر عنه الإمام ابن سيرين في الحالين، ولله في خلقه شؤون.

 

تابعاً لما تم ذكره عن تأثير الأحلام المشترك في بلاد المسلمين وبلاد الغرب والشرق، فقد تعمق الغرب في دراسة هذه الظاهرة الاجتماعية مما نتج عنها أهم النظريات والآراء التي تفرعت إلى فرعين،أحدهما يدرس الأحلام في ضوء علم التحليل النفسي، والآخر يدرسها في ضوء علم جديد يطلق عليه الآن اسم "الباراسيكولوجي" أي "ما وراء علم النفس" او "علم النفس الموازي" ويتألف هذا المصطلح من شقين أحدهما البارا وهو يعني قرب أو جانب أو ما وراء، أما الشق الثاني فهو سيكولوجي ويعني علم النفس، وفي الوطن العربي هناك من سماه بعلم الخارقية، أو علم القابليات الروحية وسمي كذلك علم نفس الحاسة السادسة، ولكنهُ ظل محتفظاً باسمهِ لعدم الاتفاق على تسمية موحدة له في اللغة العربية.

 

ونتيجة لذلك الاهتمام الذي ظهر من الغرب نتجت عدة آراء ونظريات لكل من أرسطو، برجسون، فرويد، أدلر، وهيجل، وغيرهم الكثير، علنا نذكر بعضاً منها بلا إسهاب:

 

نظرية أرسطو في الأحلام:

امتاز أرسطو طاليس من بين المفكرين القدماء بأنه درس الأحلام دراسة موضوعية وجرّدها من تدخّل الآلهة، ويمكن اعتبار أرسطو أول زنديق نظامي من هذه الناحية، وهو يقول إن معظم الأحلام تنشأ من مؤثرات حسية فكثيراً ما يخالج الإنسان شيء من الألم واللذة أثناء يقظته ولكنه لا يهتم به لانشغاله بهموم الحياة، فإذا نام ظهر له ذلك في أحلامه واضحاً، ومعنى هذا أن الحلم يحوّل الإحساسات الخفيفة إلى إحساسات مكبرة، فالنائم الذي يسمع صلصلة خفيفة في أذنيه يرى في حلمه كأن برقاً أو رعداً وقع عليه، وإذا اتصل بجسمه شيء من الحرارة توهّم في حلمه أنه يقتحم النار أو يصطلي بها.

 

وفطن أرسطو كذلك إلى أثر الميول والعواطف والأمزجة في تشكيل الأحلام، فالمحبّ يرى في منامه ما يلائم نزعات هواه، والخائف يتمثّل بسبب الخوف في حلمه، وكثيراً ما يرى الإنسان في منامه أموراً كانت موضع تفكيره في يقظته.

 

وتتمثل عظمة أرسطو الفكرية عند تعرّضه للرؤيا الصادقة، وهي الأحلام التي تتحقق فعلاً بعد رؤيتها في المنام، ويقول أرسطو فيها إن تحققها الفعلي لا يدلّ على صحّة تنبئها بالغيب كما يقول أفلاطون وغيره، إنما هو يرجع إلى عوامل أخرى لا صلة لها بالروح أو تدخل الآلهة، وحدد أرسطو هذه العوامل بأربعة على المنوال التالي: عامل المصادفة أولًا، عامل الإيحاء ثانيًا، الإحساس المضخم ثالثًا، وفي الأخير الاهتمام الخاص.

 

نظرية فرويد في الأحلام:

وحين ندرس نظرية فرويد في هذا الضوء نجد أنها خدمت الفكر البشري خدمة لا يُستهان بها، فهي قد وجهت الأنظار نحو ما يختفي في أعماق النفس من الرغبات القوية التي تدفع الإنسان في مختلف السبل من حيث لا يدري.

 

ولكن الذي يعاب على فرويد في هذا الصدد أنه ركّز اهتمامه على الرغبة الجنسية واعتبرها أهّم الدوافع البشرية القاطبة، ولم يكتفِ بذلك بل رأيناه يعزو معظم الالتياثات والأمراض النفسية إلى سبب جنسي.

 

ومعنى هذا أن فرويد أخطأ وأصاب في آنٍ واحد، فهو قد تغلغل في أعماق النفس البشرية ولكنه لم يجد فيها سوى الدافع الجنسي.

 

فهو يقول إن الإنسان في نومه، كما هو في يقظته، يرزح تحت وطأة عاملين متعاكسين: عامل الشهوة العارمة من جهة، وعامل الرقيب الأخلاقي من الجهة الأخرى.

 

إن الإنسان يشتهي أن يحقق رغباته المكبوتة، ولكنه يجد إزاء ذلك شعوراً بالذنب وتكبيتاً من الضمير، وهو عندما ينام لا يستطيع أن يندفع في إشباع شهواته إلى أقصى الحدود، إذ إن الضمير يهدده ويرعبه لكي يريه عاقبة اندفاعه وراء الشهوات المحرمة.

 

فالكابوس في رأي فرويد هو صورة من صور العقاب يفرضه الضمير على الإنسان أثناء نومه، إنه إذن يحقق رغبة الذات المثالية وما دامت الشخصية تحتوي على ذات حيوانية وذات مثالية، فإن أحلامها لا بد أن تكون على نوعين، لذيذة تارة ومؤلمة تارة أخرى.

 

وخير ما نتطرق إلى ذكره في هذا الموضوع هو أن الأحلام قد تكشف أحياناً عمّا في داخل النفس من قوى خارقة أو ومضات مبدعة، وهذا أمر أقره البحث التجريبي الحديث إلى درجة يصعب الشكّ فيها.

 

ولا يجوز لنا أن نندفع في كراهة الأحلام "العقائدية" وفي الثورة عليها إلى أن نتطرف في الجانب المضاد لها تطّرفاً غير محمود، فهذا أمر يخالف طبيعة المنهج العلمي.

 

إننا يجب أن لا نتطرف في موضوع الأحلام إلى جانب الذين يصدقون بها أو إلى جانب الذين يكذبونها، ولا بدّ لنا من أن نتّخذ بين هؤلاء وأولئك طريقاً وسطاً لكي نكون في دراستنا موضوعيين على قدر الإمكان.

 

إن علم "الباراسيكولوجي" يتبع في دراسة الأحلام هذا الطريق الوسط، فقد عمد إلى وضع الأحلام على طاولة البحث التجريبي والإحصائي، ووصل بها إلى نتائج موضوعية باردة ليس فيها من التطرف أو التعصب شيئاً.

 

 

ختاماً قد نكتفي في هذا المقال بسرد ما تمت كتابته ونقله عن هذا الكتاب الحامل في طياته العديد من الآراء والنظريات، والتنبؤات العلمية، والحقائق العقيدية، والخوارق اللاشعورية، والطبيعة البشرية، فلِمَن أراد الاستزادة فليكن توجهه الأول إلى هذا الكتاب القّيم "الأَحلَامُ بَيْن العلِم والعقيدَة" للكاتب الدكتور علي الوردي، ولعله خير ما كُتب في اللغة العربية لتفنيد معتقدات كانت في الأصل مسلمات لدينا.

 

 

 

أسماء