في يوم ممطر جميل؛ كان المطر يغسل الأرض والنفوس قبل ذلك وياليته يغسل العقول أيضًا..!

توقفت مع صديقي في مقهى على قارعة الطريق، وقبل أن تحط أقدامنا أرض المقهى نظر إلي مبتسمًا وقال:توقف؛ كم تتوقع عدد الأشخاص الذين يحتضنون كتبهم بالداخل؟

-هل يجب أن أُدْخِل الأشخاص الذين يحملون الكتب الدراسية في مجموعي الكلي؟

قلتها مازحًا؛ فرد بضحكةٍ مرتفعة وأردف قائلًا: لا أعتقد أن يتعدى عددهم أصابع يدك ، و إن أخذنا حاملي الكتب الدراسية بالحسبان.

ابتسمت ابتسامة كسيرة وقلت له: لا أظن ذلك فأنا مؤمن أن العديد من أبناء هذه المدينة قُرّاء.

جررت رجليّ مُثقلة للداخل وأنا أدعو من قلب قلبي أن يخيب ظنه قبل أن يُطعن إيماني بهم..!

بالداخل أجسادٌ ملقاة على الكراسي لا يختلفون جدًا عن الكراسي التي يرقدون عليها غير أنهم بشر ، يتحركون بإرادتهم وقد كرمهم الله بإحساس ؛ وعقل فشلوا في تنميته، عالقين بين ضجيج ضحكاتهم يتناقشون عن صورة لمطرب أو لاعب كورة لا يعيرهم أي إهتمام غير أنه يؤدي وظيفته أمامهم ثم ما أن ينتهي الدور الذي يؤديه يلتفت لحياته ويجعل السفهاء يتقاتلون لأجله..!

قال صديقي: ألم أقل لك إنكم أيها القوم المثقفون شاذون!

كتمت حزني على حالنا وقلت له: ما يدريك ربما هم يقرؤون الكتب في شاشات هواتفهم الضيقة ويستمتعون بذلك!

ولأغلق باب النقاش أردفت قائلًا: و إن لم يكونوا كذلك ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يغير اتجاه البوصلة للقراءة.

وبعد أن رشف رشفة من قهوته رفع حاجبه مستفسرًا: أنا لا أعلم أساسًا مالذي يحثك على إضاعة الوقت في القراءة؟! وأنت ذلك الشخص الذي لا يجد أشخاصًا من حوله ليهرب إلى كتاب ويعتزل معه! أنت تستطيع أن تحيا مثلنا تمامًا لكن عيبك الوحيد أنك عالقٌ هناك وتستنفر هنا ..؟!

سكتُ لبرهة أجمع حديثي على صوت القهوة وضجيج الضحكات وأنا أترقب سؤاله المستفز الذي قرع بابًا في قلبي كنت قد أوصدته كثيرًا عن هذا الحديث، ولكن كأنما كانت كلمته الشرارة التي أحرقت كل صمتي وصبري..

ظهر العرق في منتصف جبهتي مُعبرًا عن غيضي من سؤاله فقلت: بما أنك سألت إذاً استمع لإجابتي بتمعن.

أتسألني لماذا أقرأ؟!

وكأنك تسألني كيف أتنفس ، أو كيف أستطيع العيش وسط هذا الفراغ القاتم، وسط هذا الضجيج الذي يُصدَر عن عقول تُشبه كوب حديدي وبداخله قطعة معدنية صغيرة..!

أنا أقرأ لأنني أهرب إلى حياة أخرى أستطيع التحليق فيها دون قيود دون أن أهتم بماهية الرداء الذي يجب أن أرتديه أو كيف يجب تكون تسريحة شعري أو ماذا يجب أن أقول.

أهرب لمنطقة آمنة بعيدًا عن أهمية الشكل منطقة كل ما يهم فيها هو صوت العقل ولا شيء سواه، منطقة خلف توقعات البشر و أعلى من نطاق رؤيتهم و ظلمهم واستباحاتهم الفظة.

أنا أقرأ لأن القراءة تقيني من أن أخوض في أعراض الناس وعنصرياتهم وطبقياتهم وأشكالهم.

فالقراءة يا صديقي هي نوتة موسيقية لا يستطيع دِينٌ تحريمها. القراءة لوحة رسمها أعمى بإحساسه، تُصدر نغمًا يسمعه أصم.

أتعلم لماذا تتعلق الناس بالكتب لأنها لا تُنافق لأنها تقول ذات الشيء بعد ألف ألف عام دون التحريف في أقوالها.

أنا أقرأ لأنني أمتلك عُمرًا واحدًا فقط، وللأسف أحتاج مئة عُمر لأفهم مالذي تود الحياة قوله لي؛ لذلك ألجأ للقراءة فهي تجعل صبيّ العاشرة يتحدث بطريقة أفضل من كهل الستين و يتصرف بطريقة أرقى منه.

للقراءة صوت أعلى من الحديث ؛ لا يسمعه إلا ذوي الألباب. ولك في خطاب الله سبحانه وتعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام أصدق مثل في ذلك.

فالوحي لم ينزل على رسولنا الكريم حتى أُمِر بالقراءة ليستطيع التدبر والتفكر والتأمل فالتصديق.

يا صديقي القراءة تصنع منك بشرًا، القراءة تصنع القوة والقوة تحكم الحياة.

القارئ هو شخص يجادل بالحق ليدحض الباطل، القارئ هو المدرسة المُتنقلة التي لا تأخذ رسومًا مقابل تعليم العالم كيف يستطيع أن يُصبح أفضل.

أنهى آخر رشفة من فنجانه ونظر إلي مستنكرًا قال: ها نحن ذا لا نقرأ ونلبس كما يلبس المتطورون و نرقص كما يرقصون و تعلمنا كيف نقود السيارات ، و قد بنينا بنيانًا مثلهم تمامًا وهم يقرؤون ونحن لا نقرأ أشرح لي ذلك؟!

أجبته مبتسمًا: صحيح ذلك ما فعلتموه فأنتم ضعفاء جدًا ولذلك تقتبسون منهم، هم يصنعون هم يطورون هم يحركونكم كما يشاؤون وكل ما تستطيعون فعله أن تتبعون وتقولون سمعًا وطاعة.

إن كنت تقرأ فستتحسن وتتطور ويكون لك قوة ورأي، وإلا عش تابعًا لغيرك مُقلدًا له حتى وإن دخل جحر ضب فستدخله.

ختامًا : أود أن أقول لك أنني لست بحاجة أن تطعمني سمكة يوميًا ، مقابل أن أقرأ "كيفية استطياد الأسماك".

فذلك سيجعل مني شخصًا غير مُعتمِدًا على أحد وذلك ما تصنعه القراءة ، شخص أقوى من أن يحركه شخص أخر في مكان أخر كيف يشاء.