كتب إيزاك باشيفيس سينجر ,الذي فاز بجائزة نوبل في الأدب ، كتباً لأجيال مختلفة بمن فيهم الأطفال ، وفي مقال بعنوان ( لماذا أكتب للأطفال ) أوضح السبب فكتب يقول :

" الأطفال يقرأون الكتب، وليس التحليلات، وهم لا يعبأون بالنقاد ، وعندما يكون الكتاب مملاً، يقومون بالتثاؤب علانية ، دون أي خجل أو خوف من السلطة " والأفضل لطمأنة المؤلفين في كل مكان " أن الأطفال لا يتوقعون من كاتبهم المحبوب إنقاذ البشرية". (1)

منذ مدة تقرأ ابنتي تالين بشكل متقطع قصص الأميرات، وكما أن هذه التجربة ممتعة بالنسبة لها، هي أيضاً جميلة بالنسبة لي وتصيبني بالدهشة أحياناً، ذلك أنني أدعي امتلاك معرفة كبيرة عن القراءة وفنونها، ولكن في كل مرة تقرأ هي أو أقرأ لها أنا، أكتشف أنني مازلت لا أمثل ذلك القارئ العاشق الشغوف، ويمكنني القول أنني تعلمت ثلاث دروس مهمة من بين العديد من الدروس التي استلهمتها من القراءة لابنتي تالين، وهذه الدروس برأيي مهارات أو صفات مشتركة لدى جميع الأطفال.

أطفال يقرأون

الدرس الأول : القراءة غاية ومتعة خالصة :

لا يفهم الأطفال القراءة كوسيلة لجائزة معينة، فهي بالنسبة لهم جائزة ومتعة خالصة بحد ذاتها، هي البداية والنهاية، بالنسبة لي لاحظت كيف تقرأ ابنتي كتب الدراسة ( في إطار أنها وسيلة لتطويرها وتعليمها)، وبين القراءة الحرة للكتب التي تفضلها ( كتاب الأميرات)، في كتبها الأولى تكون قرائتها فاترة ومجبرة عليها وبالنسبة للكتب الأخرى أجدها متحمسة كثيراً لدرجة أنها تكبلني بشكل مجازي في غرفتها ليضيع يومي في القراءة معها.

هذا الدرس يؤكد عليه الكاتب الكبير والناقد العميق عبدالفتاح كيليطو حينما يتكلم عن القراءة عند الأطفال :

"الطفل هو القارئ المثالي، يقرأ من أجل أن يقرأ، القراءة عنده غاية في ذاتها، في حين يعتبرها البالغ غالباً كوسيلة، يقرأ من أجل أن ( يقتل الوقت )، أن يُثري لغته، يقرأ بفعل التقليد، كأن يُقال له إن القراءة عمل مفيد وبواسطتها يصل المرء إلى المعرفة. الطفل يتعاطى لقراءة خالصة، صلته بالكتاب مماثلة لصلة الكلب بالعظم عدا أن الطفل لا يبحث عن اللب، عن معنى مخبوء أو عميق، وحدة السطح يغريه، ينزلق فوقه كأنه فوق جليد" (2)

 

الدرس الثاني : القراءة بصوت مرتفع :

يحب الأطفال أن يقرأ عليهم الكبار بصوت مرتفع، وبالذات في الفترة المبكرة من أعمارهم حيث أنهم لا يتقنون بعد تفكيك الحروف، وفي هذه المرحلة التي أمر بها الآن مع ابني عمر، تذكرت كم هي القراءة بصوت مرتفع جميلة، وكم نحن نفتقد لتجربة أن يقرأ علينا أحدهم، تقول لويس ليفي :

" القراءة بصوت مرتفع تأتي ضمن فئة ( أقلع عنها كي تصبح شخصاً بالغاً ) متى كانت آخر مرة قرأ لك فيها شخص ما قصته؟ ليس من جريدة أو مجلة، ولكن ( قصة ) حكاية.إنها حقاً تجربة مرضية تماما وغنية أن يقرأ لك شخص ما بصوت مرتفع، إنها حقاً تجربة ممتعة. وبصرف النظر عن القدر الذي تحب أن تقرأه بنفسك، فإنه حقاً شئ مختلف عندما يفعل ذلك شخص آخر لك" (3)

إنها تجربة ثرية وممتعة أن تركز فقط على نغم الأحرف ووقع الكلمات، وأن تشكل الصور والخيالات من مجرد السماع، إن هذه المتعة مرتكزة داخلنا ومدفونة بين ذكريات طفولتنا، نسينا كيف كنا نجلس ونتحلق حول أجدادنا وجداتنا حينما يشرعون في قراءة الحكايات لنا، وكيف كنا نسمعها من الآخرين بشغف ونقدر هذه الموهبة لديهم، صدقني إنها إحدى المتع المفقودة في حياتنا البالغة، في هذه الأيام تشّكل الكتب الصوتية متعة مماثلة، جرّب أن تستمع لأحد هذه الكتب، فهي متوفرة في كل مكان على شبكة الإنترنت.

أطفال-يقرأون

الدرس الثالث : إن قراءة كتب الأطفال تعيد إحياء زمن الطفل بداخلك :

خلال قراءتي لأطفالي يحدث أحيانا أن أنسجم في القصة لدرجة أنني أصمت فجأة لتنذرني ابنتي وتناديني باقتضاب : بابا!، حينها أستوعب أنني نسيت نفسي داخل القصة، لا أعرف ولكن هناك سحر خاص في كتب الأطفال يذكرني بتجاربي الأولى مع القراءة والكتب التي كنت أقرأها عندما كنت طفلا: ماجد، كتيبات فلاش ورجل المستحيل وملف المستقبل، وكيف كان لهيب تلك الأيام واللقاء الأول مع الكتب، تقول الكاتبة دونالين ميلر في كتابها ( الهامسون بالكتب ) :  

" إنني أحب قراءة كتب الأطفال لأن القصص والشخصيات فيها أكثر براءة ونقاء من الشخصيات التي أجدها في روايات الكبار، هذا فضلا عن أن هذه الكتب تنتهي دائما نهاية سعيدة!" (4)

وفي نفس الفصل ذكرت أن صديقتها الكاتبة والمتخصصة في كتب الأطفال جينفر ك.روبنسون نشرت في مدونتها 9 أسباب تدعونا نحن الكبار أن نقرأ كتب الأطفال وذلك :

 

  • لأنها ممتعة
  • لأنها تبقي خيالك نشطاً
  • لأنها توطد علاقتك بالأطفال الذين يقرءون في حياتك
  • لأنها تجعل منك نموذجا يحتذى به للأطفال في حياتك، مما يزيد من احتمالية أن يصيروا قرّاء
  • لأنها تثري معرفتك بالإشارات الثقافية التي ربما لم تكن قد عرفتها ( سواء الحالية أو الكلاسيكية )
  • لأنها سريعة، فكتب الأطفال أقصر عادة من كتب الكبار، إذا لم تكن تعتقد أن لديك الوقت للقراءة، فلديك بالتأكيد وقت لقراءة كتب الأطفال
  • لأنها تسمح لك بقراءة عديد من الأنواع الأدبية، فكتب الأطفال ليست قاصرة على نوع واحد مثل الإثارة والتشويق أو  الخيال العلمي أو الفانتازيا أو الرواية الأدبية، وإنما تشمل كل الأنواع.
  • لأنها أشبه بالسفر عبر الزمن، فهي وسيلة سهلة لتذكر الطفل الذي كنت عليه في السابق عندما قرأت كتابا لأول مرة في حياتك.
  • لأنها تكون تحفيزية في أغلب الأحيان، فالقراءة عن الأبطال والشجاعة والولاء تجعلك ترغب في أن تكون شخصاً أفضل. (5)

ابدأ في البحث عن كتبك التي قرأتها في طفولتك ، أو جرّب الآن أن تقرأ كتب الأطفال، اقرأ بصوت عالي أو اقرأ للآخرين، اخلق عالم الأحلام الخاص بك ودع أحدهم يقرأ لك قصة قبل النوم، استمتع أنت وطفلك الداخلي الذي يتقن جيداً .. فن القراءة.  

 


(1) فكر كشخص غير عادي – ستيفن دي.ليفيت ، ستيفن جيه.دوبنر

(2) مسار – عبدالفتاح كيليطو

(3) إخلع رداء التوتر – لويس ليفي

(4) الهامسون بالكتب – دونالين ميلر

(5) الهامسون بالكتب - دونالين ميلر