لكل ثقافة من ثقافات العالم نصيبها من الخيال العلمي الذي يستمد جذوره من رؤيتها الخاصة للعالم، وسعيها لفهمه والتنبؤ بأحواله في الغد القريب والبعيد. نجد إرهاصات لذلك في الموروث الحكائي الشعبي، وفي القصص التي تطلع من خلالها الإنسان إلى التخلص من هواجسه بالقفز فوق حاضره لبحث إمكانات جديدة للعيش في المستقبل.

إن موروثنا الأدبي العربي يكشف عن مثل تلك الإرهاصات في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وبعض قصص ألف ليلة وليلة، خاصة حكاية ( أصحاب الطاووس والبوق و الفرس) التي يؤكد النقاد اتصال مضمونها بأدب الخيال العلمي. أما في العصر الحديث فقد برزت أقلام عديدة اهتمت بتوظيف المخترعات، والقدرات التي وفرها العلم للإنسان في إنتاجها الأدبي. نذكر على سبيل المثال الكاتب المصري عز الدين عيسى الذي ساعده تكوينه العلمي، باعتباره حاصلا على دكتوراه في فلسفة العلوم سنة 1951، على اقتحام هذا المجال مبكرا من خلال نصوص ك "الطوفان" و"نريد الحياة"، والأديب نهاد شريف الذي سعى بقوة لترسيخ تقاليد الكتابة في أدب الخيال العلمي، وترويج ثقافة علمية لدى القارئ، متحررة من الغيبيات والمفاهيم الرجعية.

وفي سوريا لمع اسم الأديب طالب عمران، الحاصل على دكتوراه في المنطويات التفاضلية و الفلك، والذي سخر مجهوده الإعلامي في مبنى الإذاعة والتلفزيون السوري لتوسيع دائرة الاهتمام بأدب الخيال العلمي، عبر نصوص قصصية وتمثيليات وبرامج إذاعية لعل أشهرها برنامج" ظواهر مدهشة" الذي استمر بثه لسنوات عديدة .

أما في المغرب فكان للشاعر والدبلوماسي أحمد عبد السلام البقالي سَبقٌ في الاهتمام بهذا المجال، خاصة في عمله الروائي المميز" الطوفان الأزرق".

لكن بالرغم من ذلك يمكن القول دون مواربة أن الخيال العلمي لم يحظ حتى اليوم بالمكانة اللائقة به في خارطة الاهتمام الثقافي والمؤسسي . ومرد ذلك لعدة اعتبارات من بينها:

• الظروف التاريخية والسياسية العصيبة التي مر بها الوطن العربي منذ القرن التاسع عشر، ممثلَة في الاستعمار والاستبداد الداخلي ثم نكبة فلسطين. بالمقابل كانت أوربا خلال هذه الفترة تحتفي بمعطيات الثورة الصناعية والتقنية، مما هيأ مناخا فكريا ومعرفيا مناسبا لانتشار الخيال العلمي كأحد أدوات التعبير عن القدرات التي بإمكان العلم والتكنولوجيا تحقيقها.

 • عدم اهتمام نظم التعليم العربية بإدراج الخيال العلمي في مناهجها الدراسية، باعتباره جزءا لا يتجزأ من اية استراتيجية مستقبلية تهدف لإعداد مواطن الغد. وهو ما يؤدي إلى إهمال التثقيف العلمي للطفل العربي بشكل صحيح، ويحد مستقبلا من تخريج أعداد كافية من العلماء والباحثين. وهي النقطة التي نبه إليها رائد الخيال العلمي الأمريكي إسحق عظيموف بقوله: " إن من بين مئة قارئ للخيال العلمي هناك خمسين على الأقل يهتمون بالعلم و يتابعونه. ومن بين هؤلاء الخمسين نجد خمسة وعشرين طفلا يتابعون فيما بعد تخصصهم العلمي، وعشرة من هؤلاء يتابعون التخصص العالي. والنتيجة أنه من بين مئة طفل قارئ للخيال العلمي سيخرج عالم واحد على الأقل، يسهم في تطور البشرية".

• أن التوظيف الأدبي والتربوي للخيال العلمي يتطلب تقنيات فنية أدبية وعلمية عالية. وأن يمتلك الكاتب إلماما واسعا بالقضايا والمجالات العلمية؛ إضافة إلى الثقافة العلمية التي تؤهله للكتابة بحِرَفية. ولعل هذا هو السر وراء محدودية التراكم الأدبي في هذا المجال، إذ تتسم أغلب الأعمال بالخلط الواضح بين الخيال العلمي والفانتازيا، ويبدو البعض الآخر غير مقنع من الناحية العلمية، فمسرحية ( رحلة إلى الغد) التي كتبها توفيق الحكيم تحكي عن رجلين محكومين بالإعدام، تم نفيهما إلى القمر، وبعد فترة يعودان إلى الأرض ليجدا أنه قد مر عليهما ثلاثمئة عام. وهذا تصور غير علمي، لأن زمن القمر لا يسبق زمن الأرض بهذا الشكل !

• أن دور النشر والمؤسسات الثقافية تُحجم عن نشر أعمال ذات صلة بهذا المجال لعدم إدراكها لدوره كمدخل حيوي للابتكار والاختراع. إضافة إلى عدم الاهتمام به في المحافل الأدبية كظاهرة إبداعية؛ في حين تُقبل مؤسسات غربية كوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) ووكالة الفضاء الأوربية (إيزا)على دراسة روايات الخيال العلمي، بحثا عن أفكار ورؤى جديدة لتطوير التقنيات !

إن الخيال العلمي  اليوم هو أحد أشد التعبيرات الأدبية والفنية جرأة وشجاعة في معالجة العديد من القضايا الإنسانية. إذ لم يعد الأمر مجرد صراع بين إنسان وآلة، أو تحليق في العوامل المجهولة التي لم يبلغها سلطان العلم بعد، وإنما هو نافذة يطل منها الإنسان المعاصر على الشرور التي تقترفها يداه. يقول ناشر رواية "الطوفان الأزرق" للأديب المغربي عبد السلام البقالي :" إن القضايا التي يعالجها الخيال العلمي من أشرف قضايا الإنسانية وأنبلها، فهو الذي دق خطر الحروب العالمية، و التلويث الصناعي، والجوي و البحري، وسيطرة الآلة على الإنسان، والانفجار الصامت لقنبلة التزايد السكاني".

لا ننفي طبعا وجود حراك على الساحة الثقافية بهذا الصدد. ولعل أبرز خطوة تم تسجيلها هي اجتماع خبراء أدب الخيال العلمي في الوطن العربي بتونس سنة 2009، والذي كان من أهم مخرجاته اقتراح مسابقة لاختيار أفضل إنتاج عربي في مجال أدب الخيال العلمي، ومواصلة الاهتمام بترجمة الدراسات والأعمال الغربية؛ لكن تظل الحاجة ملحةً لوضع استراتيجية واضحة، تؤمن بفاعلية الخيال الإنساني عموما في تحقيق رؤية جديدة للعالم تسمح بعيش أفضل !