كتاب قلق السعي إلى المكانة، منتج رائع عن الكاتب المميز السويسري آلان دو بوتون (1969-)، صدر للكاتب مسبقا كتاب عزاءات الفلسفة الذي حقق إقبالا مثل كتابه هذا.

يناقش فيه مشكلة قلق المكانة، ذاك الشعور المصاحب للمرء الذي يريد أن يصل للمكانة، هذا الشعور الذي يثير الكثير من النتائج السلبية في سبيل إقناع المجتمع أننا ذوو قيمة.

في الأسباب ذكر أولًا افتقاد الحب أي افتقاد اهتمام الناس بك، فالمكانة هي السبيل لجعلك تكسب اهتمام الآخرين ولو في أتفه الأمور، السبب لأننا دائما نعتمد على الآخرين لتحديد قيمتنا الأساسية، ثم ذكر الغطرسة أي أن تصبح ذو شأن لكي تتعالى على الآخرين وتتفاخر أمامهم أن لديك ولديك.

ثم التطلع لكي نتفوق على غيرنا دومًا، ثم السعي إلى أن تصبح كفؤًا كي لا يسدل عليك رداء الفشل ورداء البلادة، فما نسعى للكفاءة إلا لكي نكسب مكانة بين الناس ونتجنب كلامهم ونعيش بسلام وهمي.

ثم السبب الأخير وهو الاعتمادات الخمس التي ذكرها الكاتب للسعي إلى المكانة (الموهبة، الحظ، صاحب العمل، الأمان الوظيفي، الاقتصاد العالمي) والتي وضعها في سبب واحد جامع وهو الاعتماد.

ثم طبعا بعد معالجة المشكل وذكر الأسباب يجب إتمام العلاج بمنح الدواء، حيث أخذ من كل مجال حلولا كثيرة، فمن  الفلسفة ثم الفن ثم السياسة ثم الدين.

وأجمل ما شدني من الأسباب هو الموت المأخوذ من مجال الدين وتذكر أن كل الناس ذاهبون إلى مصير واحد وهو الفناء يجعلك لا تقلق لا بمكانة ولا شيء آخر، وأخيرا ما شدني أيضا هو البوهيمية وهو الحل الأخير، ذاك المذهب الذي لا يهتم كثيرا بالمجتمع، ولا بآراءه، ويعيش بحرية تامة.

أسلوب ساخر، ممتع، لا يحسسك بملل دراسة الموضوع، ودراسة الأسباب والحلول. نادرًا أن تجد كتبا كهذه، إذ كل من يؤلف كتاب عبارة عن حل مشكلة أو دراستها، سيتخذ من رداء الجدية رداءً لا يمكن نزعه طيلة صفحات الكتاب، هناك من يحب هذا النوع من الكتب لكن لا أحد ينكر أن مقاومة الملل مع هذه الكتب هو الحل الوحيد لأخذ المراد من الثقافة.

الأخذ من مصادر قوية وقيمة لتدعيم بعض النقاط، كان أمرا مميزًا من آلان دو بوتون، إذ ذكر الكثير من الاقتباسات، الكتب الفلسفية، الروايات، الأدباء، هادفا لدعم أحد الأمور المذكورة، فقد ذكر أرسطو، شوبنهاور، زادي سميث والكثير..

الكتاب يعد مصدرا للإحالات المميزة التي ستتحمس لقراءة بعضها مباشرة بعد إنهاء الكتاب مثل ما جرى معي مع رواية أسنان بيضاء لزادي سميث التي حمسني فيها آلان دو بوتون بوصفه لأهم حدث لها والذي يفيد السياق الوارد في الكتاب.

في المئوية الأولى تقريبا كان الموضوع عن أسباب هذه الظاهرة، ثم في باقي الصفحات كان الحديث حول الحلول، وكلٌ من الأسباب والحلول تشاركوا في العدد خمسة.

موضوع الكتاب هو من قناعاتي التي اكتسبتها مع الوقت، هو من الكتب التي عندما أقرأها أقول لماذا لم أقرأك مسبقا؟ وقرأتك بعد أن تعرفت على قناعاتك وحدي؟

عندما قرأت الكتاب قلت أنه قديم، لأنني اكتسبت هذه القناعات مع التجربة المريرة، لكن طريقة تحليل المشكلة ووضع الحلول كانت مميزة وفي الصميم، أنصح به كل من يعاني من مشكلة السعي نحو اكتساب شأن واكتساب مكانة بين المجتمع.

هو خليط بين الدين، التاريخ، الثقافة، الفلسفة، الفن، من كل بستان أزهار كثيرة وليس زهرة واحدة. مما يشكل لك مرجعا مميزا وكتابا شاملا حول قضية قلق السعي إلى المكانة.

ناقش المشكلة بطريقة ذكية ومقنعة، اعتمادا على مصادر قيمة كثيرة، الواضح من كل هذا أن الكاتب تعب تعبا حقيقيا في إنتاج عصارة مركزة كهذه.

دائما ما أحب الكتب الشاملة، الكتب التي تأتي ملخصا لبحوث كثيرة، قراءات كثيرة، مصادر كثيرة، تلك الكتب هي الأحب إلى عقلي، لأنها الأكثر فائدة والأكثر تحفيزا على البحث والمضي قدما في سبيل المعرفة.

أحيانا يكون الجو مرعبا وحزينا وكئيبا، أحيانا يكون فكاهيا مثيرا للابتسام، الأجواء النفسية في الكتاب تتغير باستمرار كلما دخلنا في موضوع جديد.

قد يتلخص فحوى الكتاب في أن إعادة صياغة وعينا تجاه الأمور التي نعيشها، والمبادئ التي تم تلقيننا إياها، والأفكار التي تشربنا منها منذ الصغر، هو أفضل حل لمشاكل كثيرة نعيشها من بينها المشكلة التي ناقشها الكتاب "قلق السعي نحو المكانة"، لذا إعادة النظر إلى ما دخل إلى عقولنا، قد يغير الكثير في أسلوب عيشنا.

آلان دو بوتون، في كل نقطة يناقشها يجب أن يذكر قصة قديمة جرت في هذا السياق، كأنه يؤمن أن رأيه وخلاصته الفكرية التي توصل إليها لا تكفي وحدها، يجب أن تصاحبها قصص، إقتباسات آراء من أشخاص سبقوه، لكي يصبح رأيه أكثر إقناعا وأكثر مصداقية.

أعجبني أن الكتاب لم يبدأ بمقدمة ولا شيء، فقط بعض التعريفات ثم مباشرة الجزء الأول، هو أحد الكتب النادرة التي لم أجد فيها مقدمة.

أما عن ترجمة المترجم المصري محمد عبد النبي للكتاب، فقد كانت مميزة، لا يوجد أمر سلبيّ فيها يمكنني التعليق عليه، يبدو بوضوح أنه بذل كل مجهوده لإخراج النص بلغة مميزة، وهو من الكتب التي لن تحس أنه مترجم، بل كتبه الكاتب مباشرة بالعربية. نفتقد كثيرا إلى هذه الكتب خاصة مع  الصنف السردي كالروايات.

الطبعة الأصلية للكتاب صدرت عام 2004 ثم بطبعة عربية مميزة عام 2018 صادرة عن دار التنوير للطباعة والنشر.

أنصح بالكتاب كثيرا، لأنه لن يفيدك فقط لحل مشكلة قلق السعي نحو المكانة، بل ينيرك إلى أمور ستفيدك في صياغة وعيك من جديد كإعمال العقل، وطرح الكثير الكثير من التساؤلات، واستعمال المنطق.