١

قد يكون أول خاطر بدر لذهني، عندما تلقيت دعوة للحديث أمامكم، وأنا في مرسمي بين لوحات ووجوه محدقة وهامسة بالكثير، أن الفكرة أصبحت تختار كاتبها، تختار مكونها الذي بقي عليه شحذ أدواته جيدا والانتظار. وبالمثل: فإن فرص التواصل والظهور وصدف تبادل الأفكار تختار مبدعها بعشوائية ذكية تشبه منظومة كمبيوتر بيد فنان. إن وسائل الاتصال اللحظي وجماليات النشر الإليكتروني جعلتنا نعيش تحت سماء كاملة من الأفكار المتشابكة وفرص الاتصال ومشاركة الخبرات، وعلى بعد لحظة أثيرية، أقرب من لمسة.

إنني أمامكم الآن، في إحدى تلك الفرص: فاطمة المحسن. كاتبة وفنانة تشكيلية، كفل لي عصر الإعلام الجديد ووسائل النشر الرقمية، ما هو أكثر بكثير من سرعة الاستقبال. بعد أن كانت التجارب في وقت سابق تجد نفسها أمام مخاض طويل لتلقى الثقة والاستقبال اللائق، فضلاً عن فرصة الظهور الكامل أمام حشد من المهتمين ذوي الدراية والتخصص..

٢

تستهويني الفكرة الشعرية، تفوز بها اللوحة غالباً. لكن النص يجد طريقة لاقتناص ما يمكن من التماعات الذهن الغريبة. عندما كنت أكتب عبر منصات التدوين بدا الأمر وكأنه إكمال قصيدة لا تنتهي مكتوبة في الأفق، في الفضاء الإليكتروني، وخلفها الآلاف من الكتاب المجهولين، المغمورين والمحترفين، المجربين وأصحاب التجارب الوحيدة. شجعت نفسي دائماً على اختبار التدوين كحديقة سرية للتمرن على الصيد، صيد الفكرة والتجارب الحية على ظهورها بالمظهر اللائق لحين العودة بها للمحترف الرسمي. أثمرت هذه التجارب عن كتاب "أقصر طريق لحل المتاهة"، أفكر في عنوانه الآن وأجده معبراً، دون قصد ربما، عن متاهة المجاز والصور التي تعترض الكاتب في رحلة الكتابة. في إحدى قصص بورخس يروي قصة ملك جزر خيالية تسمى: بابيلونيا وقد صنع فيها متاهة عظيمة راح يطلب من ندماءه وزواره الدخول إليها ومحاولة الخروج بأقصر طريق ممكن، لغرض التسلية ليس إلا، تشبه هذه المتاهة ما يتعرض له الكاتب الجديد في زحام وسائل وقنوات النشر والتواصل، لقد استمتعت بقطع متاهة بابيلونيا الخاصة بي، كان الأمر صعباً ومعقداً، لكني لا أخفي رغبة مخاتلة في قطعها مرة أخرى.

 

٣

أمام اللوحة يختلف الأمر . يصير شبيها بمعاناة مصمم الأزياء تحت بقعة الضوء الكاشفة، حيث الظهور لمرة يجب أن يكون شاملاً وعلى خطوتك أن تكون واحدة مكتملة. هذا يعني أن الاعتكاف يجب أن يشابه ما فعله الأسلاف أمام اللوحات الأم. وعلى الجهد أن يكون شاقاً لإيجاد طرق سلكها أقل العابرين . أعني بذلك قلق الفنان المستمر على هويته الخاصة أمام السهولة المتناهية التي يجد نفسه فيها متفاعلاً مع تجارب ما بعد الحداثة وما قبلها. تشكل منصات رقمية مثل behance فرصة احترافية وورش عمل حية لعرض الأعمال والنقاش الحر حولها، وتطوير الأدوات واكتشاف الجديد أولاً بأول. فيما تضمن منصات أقل تخصصًا مثل انستقرام وسنابشات فرص التعرف على مجتمعات الفن النشطة في كل مكان، والمتابعة الحية واللحظية للأنشطة والفعاليات، لكن عندما تحين اللحظة بالنسبة للفنان، لا مناص من ترك كل هذا جانباً والعودة إلى الوطن الأم. إلى اللوحة، عودة مهاجر مشتاق إلى مدينته. أمام أسئلة الظهور أمام جمهور عام كانت تجربة معرض "موشور" الذي مثل لي معرضًا شخصيًا أول، أردت منه التعرف على ما سيحدث للوحاتي لو عرضت على الفضاء العام، كانت تجربة غنية ومثرية، تعرفت فيها على ما يمكن للفن قوله دون وسيط، شكل معرض موشور الذي أقيم قبل عامين من الآن، انطلاقتي الثانية، وفرصة أولى للوحاتي للتواصل مع متلقيها. هذا التواصل المباشر مع الزوار أنتج حوارا لونيا شديد الحيوية، وبذر في المكان انفعالات وأسئلة، أحلاما وطموحات، احتجاجات علنية، محبة، ووعود خضراء.

 

4

تنفست كثير من القصائد الصعداء عندما أعلن موقع تويتر عن إمكانية التغريد بمائتين وثمانين حرفاً بدلاً من مائة وأربعين. هذا يعني صورة إضافية أو اثنتين تجد فرصتها إذا قرر شاعر البدء بقصيدة عبر موقع تويتر. إني أجد مستقبلاً مليئاً بالإلهام خلف كل هذا، تتشكل أقنية النشر الجديد وتتطور إلى وسائل جديدة، قد يشكو البعض من تفاهة المحتوى وسطحيته إلا أنه مليء بالإمكانات أيضاً. أستغل ما يمكن استغلاله لتدريب فكرتي على المشي: أرسم بيد فيما تحمل الأخرى كاميرا سنابشات ويعبر أحد المتابعين عن تجربة شبيهة، في ذات اللحظة. أنشر صباحاً فكرة مقتضبة لأجدها في الليل وقد تحولت قصيدة. وكما أكتب وأرسم وأنشر في وطن يختبر مستقبلاً جديدا كل يوم، أرى في كل فضاء يتكوّن تجربة غير مسبوقة تنتظر.

  • قُدّمت هذه المقالة على منصة مؤتمر القراء في معرض جدة الدولي للكتاب
  • جميع الرسومات المرفقة بريشة الكاتبة والفنانة فاطمة المحسن