بن شريط عمر من مواليد سنة 1999 بولاية الجلفة (الجزائر) طالب بكالوريا، شعبة أدب ولغات أجنبية، الحائز على المرتبة الأولى في ولايته في مسابقة القصة القصيرة للمبدع الطفل ما دون سن الثامنة عشر عن قصة "ثمان صفعات فوق السحاب"، والفائز بكتاب جامع للقصص القصيرة ببلده بقصة موسومة ب"مجنون القرية" مع خمسون قاصا من مختلف الولايات... كتب رواية "الجريمة البيضاء" أول مولود له والذي احتضنته دار المثقف للنشر.. التي أشادت به وبروايته؛ رواية أخذت أصداؤها تتردد في عديد من المواقع والجرائد العالمية مثل "العربي الجديد" الصادرة بلندن وبعض المواقع العربية ك"الجزيرة" والمواقع المحليّة مثل "الشروق والفجر..." وجرائد الجزائر المختلفة "الصوت الآخر، المساء، الشروق، الجديد..." والقنوات التلفزيونية الجزائرية التي أتت به ليكون ضيفا عندها ك"النهار، الشروق، دزاير نيوز..." وعلى ألسنة العديد من الكتاب الشّباب ذوي الشّأن في الجزائر، أمثال الإعلامي والكاتب "عبد الرزاق بوكبة" الذي أشاد به وتوعده بمستقبل باهر في مجال الأدب الجزائري والذي انبهر بذكائه وحنكته الظاهرة في كتاباته... وبشهادة الكتّاب الشباب بأوّل الطريق مثله وممّن سبقوه كان ذا صيت وحرف واضح صريح جريء وقوي حفر له مكانة بين الجموع وفرض نفسه فيهم... وبشهادة منّي شخصيا وأثق فيما أقول ههه -- "الجريمة البيضاء" إضافة للأدب الجزائري كافّة وللجلفاوي خاصّة بحكم أنّها من نوادر الأدب البوليسي في المكان والزّمان الحالي هذا إن لم تكن من الأوائل هنا.. أو لأقول أن تصنيفها مختلف عن أي تصنيف سابق؛ فلا هي بالبوليسية البحتة ولا الدرامية ولا العجائبية فقط... بين طياتها وفي شكليات مبناها حملت من كلّ جنس أو من صنف فكانت بذاك مزيجا ماتعا مميزا من كل هذا يطرح مواضيعا اجتماعية واقعة... إذن أستطيع القول بأن عمر قد أفلح في خلق أسلوب أو طابع جديد خاصّ به وقدّمه لنا -نحن الشباب خاصّة إن لم نكن كلّنا- شيء جديد نستطيع بعده المضي في طريقنا وسؤال وحيد مجزّء يتردّد في دواخلنا "ماذا بعد هذا! لأين المسير ولأين الإنتماء؟" أسلوب آخر مختلف نجدد به أساليبنا المتشبعة من المؤرشفات الماضية التي تشرّبناها فانعكست جلّها على كتابنا فما صرنا نغادرها ولا غودنا نُعرف باسم غير توابعها، صنف آخر مدّنا به لنتبناه ونتبعه في قادم أيامنا، نكتبه ونقرؤه ونمشيه لنكون نحن "النحن" في زماننا هذا لا نحن ال "هم" في زمننا... قدّم لنا عمر -أو لي على الأقل- الجريمة بشكل آخر مختلف تماما عن الأشكال التي عهدتها، جريمة من نوع آخر كما وصفها؛ جريمة بيضاء أو جرائم في سبيل الحريّة في قالب روائي شيّق سلس يأخذ بنا لمكان بعيد غير الذي نحن فيه، أو الأصح أنّه صوّر في "الجريمة" مكاننا بطريقة غير التي ندركها.. يقال عن الرّواية بأنّها قصيرة إلّا أنّي لم أرها كذلك أبدا، من الأحداث المتفرّقة التي تطرّقت لها والنقاط المختلفة التي عالجها من خلالها حيث أنه فتح لي المجال لطرح عدّة تساؤلات وإعادة النظر فيما أعيش.. وجدتُني كما سيجد القارئ نفسه في كل ركن من الرّواية وسيقرأ حياته وحيواة أقرانه وأحلام مثلائه فيها وسيشاهد شريط انهيارها وإعادة بنائها من جديد وولادتها من قبل البداية ويطرح لنا معظلات وحلولها التي نحسبها مستحيلة أين يقول بلسان "دانا" بطلة قصّته كلمات شدّتني وجعلتني أكرّرها مرارا مخاطبا بها النّظام -أسياد السّجن الأكبر- وكلّ من يسعى لدحض طموح الشّباب "الكفاح ليس ثورة وبندقية...! بل أفكار وثقافة مع إصرار لصدّ الظلم... وكفاح لتحقيق مطالب الذّات وأحلامها... سنعمل على إخراج كلّ الشّباب المكبوت في السّجن، ولو مع بقائهم داخله إلّا أنّنا سنحوّلهم إلى أفكار وأرواح حيوية بنّاءة ليست عبيدا لكم..." شبّه الوطن هذا (العربي في صياغ غربي -الجزائر مثلا-) بسجن كبير، رغم اتساعه إلّا أنّه لا يسع بنيه ولا يحتضنهم ولا حتى يستمع لنداءاتهم ولا يأبه بدقدقاتهم على أبوابه، والحكّام بالقضبان والسجّان في آن واحد، أما المقيمين بالوطن (كافّة الناس أو أسافل النّاس كتعبير أصح) فهم السّجناء، وأن الكل، الكلّ الذي على تراب الوطن فهم مرضى نفسيّين كلٌّ ودرجة مرضه، كلٌّ وعلاجه فمنهم علاجه المال ومنهم المنصب ومنهم نهم لا يشبع مهما اغترف ومنهم اكتفاؤه مجرّد مترين ينعم فيهم بنومة هنيئة ومنهم مطمعه خارج أسوار السجن ومنهم ومنهم ومنهم... إلخ عالج مشكلات مختلفة تكون عادة بكلّ بلد عربي "الكذب، الزور، الواسطة، أحلام الشباب المتمثلة في الهجرة أيّا كانت الطريقة والسبب، فساد الأنظمة، فساد الدّين الذي لم يتبق منه غير بعض الشكليات، التسلّط، ذأبنة الكل وكأنّنا بغابة القوي فيها يأكل الأضعف...! الاستهتار، الإهمال..." مزج بين ثلاثية الدين، السلطة والمال وبيّن لنا ما الذي يترتّب عن اتحاد الثلاثة إن اتصلت أضلع المثلّث ببعض لتشكّل برمودا مصغر محتقر شكلا، عميق واقعا يأخذ كلّ ما يقع به دون أن يترك أيّ أثر ودون أن يثير الشكوك حوله... *تمنّيت وأنا أتجوّل بين أسطر الرواية ألّا تنتهي أبدا وألّا تتوقّف متعة الرّحلة؛ الرّحلة المستفزّة، الممتعة، المضحكة، المبكية، اليائسة والمتفائلة في آن واحد" *بعض الإقتباسات أين توقّفت عندها: "-الحريّة المصطنعة بنزع الأغلال في السجن أكثر إهانة من الأغلال نفسها..! - -البصر لا يقتصر على مقلة عين وحدقة؛ قد يكون العقل والقلب سويّة منظارا سويّا في أحيان كثيرة.. - في هذا العالم عليك أن تخاف من الأمور السّهلة في أغلب الأحيان، وأن تدرك بأن لكلّ شيء ثمن؛ وللحصول على ما أردت عليك دفع آخر مقابله ولتتعلم التخلّي بسهولة عمّا تحبّ لأنّك ستضطرّ دوما على ترك شيء ما مُكرهًا أو غير مكرهٍ في سبيل الوصول..! - لا تكون الحياة حياة إذا كانت خالية من الأحلام والأهداف والسّفر والأهمّ الأهمّ الشّغف ودوام شعلته... - في اللّحظة التي تريد فيها عيش الحرية ستجد نفسك حرّا طليقا ولكن في سجن واسع النّفوذ من دون قضبان ولا أغلال لا غير، وهذا ما أنا عليه الآن! - لا يمكن القول عن الذّات أنها حرة إذا كانت مقيّدة بحدود، فبينما هناك عالم آخر في كل الأرجاء أنت في مساحة محدودة لك وهذا لا يجعل منك حرّا، تحرّر وسافر بذاتك نحو عوالم أخرى.. - لو أن للجدران قلوب لخرّت منهارة من هول ما حملت..! - -أحيانا لن يجدي الاعتراف بالذنب نفعا للخلاص من تلك الصورة السوداء التي ستحتويهم من منظورك الخاص..." --- لن أقول أن لغته كانت عملاقة ولن أقول بأنّها خالية من أيّ هفوات لكن بإمكاني القول بأنها كانت تقريبا السهل الممتنع، العميق ببساطته فقد أجاد الوصف بدقة في المواضع التي تحتاج وصفا وأجاد المداراة والتلميح حين احتاج ذلك، ومكّنني من التصوّر وأخذني لعوالمه هو، أين شاء أخذي بطريقته وسافر بي حيث أرادني.. سأقول جملة كنت أكررها ولم أعتد قولها، دائما ما كنت أتجنّب ذكرها لأنّه حسب رأيي بذكرها يُستجدَى الاستعطاف ويحضر حالما تقع الجملة؛ لكنّي فعلا انبهرت بما قدّم رغم سنّه الصغير وأنا التي قلّما أعجبتني هكذا روايات (الأدب البوليسي والعجائبي)... وأنوّه! هذه الجملة وتفوّهي بها لا يعني أنّي أستصغر منه! بل إنّي أتجنب ذكر الرقم 18 وأتعمّد نسيانه فقط لتكون الموازنة صالحة مع الكتاب الكبار ودون أيّ عاطفة أو واسطة، وليعرف حجمه الحقّ حين يوضع في نفس الكفّة مع باقي الأسماء، متجرّدا من رقم السّن ذاك؛ اسمًا لاسمٍ وفقط. حقّا أبدع في جريمته وخلق له اسما بجانب أجاثا، إدغار آلان، جورج سيمنون وغيرهم من روّاد هذا الجنس... بجانبهم وليس أسفلهم تابعا لهم وليس حفيدا كما يلقّبونه؛ جنبا لجنب متفرّدا بالأدب خاصّته وأظنّه سيوفّق في طرحه وتطويره أكثر فأكثر... لعمر رواية أخرى يعمل على انهائها في القريب سعدت جدّا بالاطّلاع عليها، رواية أقوى من "الجريمة" بدرجات كبيرة وسيكون فيها مفاجآت أخرى لها علاقة بسابقتها... عمر بن شريط! (البعو) سيكون اسما لامعا قريبا جدّا أو أنّه فعل أصلا... وهذا رأي قارئة تدرك جيّدا ما تتفوّه به ومتأكّدة منه #وفاء