في العام الماضي، وصف مراسل في صحيفة الجارديان كيف قضت لجنة تحكيم جائزة مان بوكز الصيف... رواية تُلتَهم بعد رواية، أسفر ذلك عن قائمة من ثلاثين كتاباً. ليس هذا شيئاً غير إعتيادي. فغالبًا ما تُستخدم لغة الأكل لوصف عادات القراءة. وإذا ضُغط على مستخدمين هذه اللغة من أجل الحصول على تفسير، يمكن للمرء أن يقول أن "إلتهام" الكتب هو أن تقوم بعمل إيجابي. ويعني ذلك التقدير الشديد نيابة عن القارئ، ويشير إلى أن الكتب في حد ذاتها ممتعة ولذيذة كالمعجنات الطازجة.

 

هذه الإستعارة، لم تكن حميدة دائمًا. قبل مائتي عام، كان وصف أحدهم بأنه "يلتهم" كتابًا يُعد عملاً غير أخلاقي. فالعلاقة الطويلة والمضطربة بين القراءة والأكل غير معروفة في العصر الحديث وثقافتنا المنغمسة في الإعلام، لكنها على صلة بذلك أكثر أهمية من أي وقت مضى. لغة "الإلتهام" غير المدروسة،  تمنح المثالية لنوع واحد من القراءة على حساب أنواع أخرى، ويسلب بقية القرّاء قيمتهم.

 

لآلاف السنين، عكست علاقة القراءة بالأكل محوريتها في السلطة والمسؤولية الإجتماعية. بعض أقدم الصور القرائية لها جذورها في الإنجيل: حزقيال و يوحنا على سبيل المثال، أكلا المخطوطات من أجل تمثيل دورهم كوسطاء للوحي كما تقول الروايات. هذه الفكرة التي تمثل القارئ كوسيط للمعرفة كان لها صدى ثقافي طويل الأمد. ولاسيما في المجتمعات شبه المتعلمة، إن هؤلاء الذين لديهم مهارات في تفسير النصوص يشغلون مناصب فريدة في السلطة.

لقد طورالباحثين ومحبين القراءة في عصر النهضة قناعةً بأن ليست كل قراءة تساوي الأخرى بينما ميزوا بخيالهم التصوري عن "الأكل" بين أنواع الكتب (كما هو الحال لدى فرانسيس بيكون عدما قال بأن "بعض الكتب يجب تذوقها، والبعض الآخر يُبتلع")، أولًا وقبل كل شئ ميّزت هذه الصور أنواع مختلفة من القُرّاء. لقد أًوجد المفهوم الغابر لأهمية القراءة اجتماعياً كإلتزام أخلاقي بالعودة بشكل مناسب إلى النصوص.

كانت القراءة السيئة في القرن السابع عشر تشبّه بعسر الهضم: ممارسات القراءة السطحية، التدرج أو القراءة الثقيلة كان يعتقد بأنها تؤثر في الشخصية، الحوارات والصحة. في مسرحيته المعنونة بـ الشاعر الركيك لـ بن جونسون (1601) نجد مثالاً مصوّراً. في ذروة المسرحية، يستفرغ الشاعر الزائف كريسبينوز حرفياً كلماته الجديدة الرنانة كاشفاً بأن قراءاته كانت لكتب غير ناضجة ومتسرعة. كتب جونسون بأن على المؤلف الملهم أن يقرأ:

    ليس مثل كائن يبتلع ما بوسعه من فج وغير قابل للهضم؛ بل بشهية طيبة، ويمنح شهيته الفرصة لتخلط وتهضم وتقسم الاقتيات.

لغوياً، توحي كلمة الاقتيات بتفرد أخلاقي منعكس من ارتباطه باللغة المستخدمة في الديانة النصرانية. لو بقت القراءة غير قابلة للهضم، يشير جونسون إلى أن أحدنا سيصاب بالانسداد الروحي. تشير أعماله إلى أن الفصل بين القراءة/الأكل بات رمزاً بلاغياً ينتسب للأدب وللدين وللمجتمع.

في القرن الثامن عشر، بدأ الكُتّاب بالتمييز بين الشهية (العلاقة بين القراءة والجسم) والذوق (الربط بين القراءة والعقل). وقد وصفت الفلسفة الهوبزية الإنسانية بأنها حفرة من الشهية غير خاضعة للحكم. وفي مواجهة هذه القوى انتظم الخطاب الحضاري للتذوق: ذلك بإعادة تصور الرغبة الأدبية المناسبة كمسألة مرتبطة بحاسة التّذوق. وأصبحت القراءة الجيدة نشاطًا صحيًا، شائعًا في المجتمعات المهذبة. وأولئك الذين يشتهون، ويبتلعون، ويلتهمون النصوص كانوا ضمنياً مبتذلين .

 

وبشكل خاص، ارتبطت الروايات بعادات الإستهلاك هذه، لأنها أصبحت رمزًا للسوق الأدبي الذي يمكن الوصول إليه حديثًا. وقد وصفها المعلقون بأنها تغذي الشهية الضارة. في المقابل، رُبط بعض القرّاء وخاصةً النساء، بعادة تجرّع الروايات. ووصفت قرائتهم كوسيلة إستهلاك تقوم بتهميشهم، لإنها تضعهم في موضع الجاهل غير المحصّن. والإستعارات الذوقية غالبًا ما تعني ضمنًا أن النساء يقرءون وفقًا للجانب الحسّي، مقارنةً بالمجال الروحي العقلاني للرجولة.

ولكن لغة "الهضم" حافظت على شكلها الإيجابي. فالأدلة العلمية، والمقالات، وكتب المنشورة حرضت على "الإلتهام" من أجل القضاء على عادة القراءة السريعة التي ظهرت بشكل متزايد في العالم الحديث، وإعادة صياغة القراءة مع عملية تشكيل الشخصية. وقد حذر إسحاق واتس في كتابه تحسين العقل (١٧٤١) من أن "القرّاء قد يقحمون أنفسهم في الغذاء الفكري دون جدوى... من أجل هضمه بتأملات مناسبة". وقد سمح هذا التمييز للكتاب بوضع القراءة "الهضمية" كمثال أخلاقي، في حين أدين تعبير "يلتهم" على أنه تعبير غير مدروس ومتحيز.

 

ماذا حدث لهذا التباين؟ على الرغم من أنه يمثل وسيلة التفكير في هذا التشبيه للقراءة والذي استمر لقرون، في البداية، هاجم المعلقون في القرن العشرين التمييز الإجتماعي للغة "الاستهلاك". ومقولة جانيس رادواي: "القراءة ليست للأكل" (١٩٨٦)، على سبيل المثال، كشفت مواقف النخبوية تجاه قراء الرومانسية الشعبية، والتي تبين كيف يمكن للإستعارات تشكيل التحيّز المعاصر. وأصبحت المعارضة بين الهضم والإلتهام غير مألوفة بعد الثمانينات، ومحملة بدلالات عقلية غير صحيحة.

هذه الدفاعية حول القراءة الشعبية تتزامن الآن مع ظاهرة أخرى: الخوف من أن تفقد القراءة قوتها الثقافية تمامًا. وهذا هو السبب في إعادة تأهيل اللغة المستخدمة مع القراءة كتعبير "يلتهم" مثلًا في إستخدامه بشكل إيجابي لم يسبق له مثيل. "إلتهام" هو إصلاح لإنه في الأصل إشارة إلى الاهتمام. وفي هذا العالم حيث يتنافس الفيسبوك، والواتساب، والنتيفلكيس من أجل جذب انتباهنا، يجري تشجيع أي إهتمام بالقراءة الجيّدة على الطراز القديم مهما كانت التكاليف.

ومع ذلك  فهنالك مفارقات، إن الميل إلى تأييد أي نوع من القراءة كقراءة جيّدة يعزز افتراضات جديدة حول ما تجلبه القراءة الجيّدة. "التهام" يعني إيقاع معين - يظهر تجربة القراءة السريعة بشكل مثالي-. كما أنه يعزز نوعًا معينًا من الكتابة كما يظهر بوصف الجارديان للائحة البوكر في صدر المقال. إذا سيطرت الكتب علينا وامتصتنا كما تفعل أفلام هوليود فإنها تقوم بعملها. أي عمل يتطلب قراءة تأملية بطيئة يصنف كعمل معيوب. يتم رفض أي استراتيجية قراءة تقاوم او تعطل الدافع المتصاعد تجاه الكتب المدهشة.

لغة القراءة في الماضي تحتوي على شئ ثمين نحتاج -ليس فقط- الحفاظ عليه، بل الإحتفاء به، بالذات في الوقت الحاضر. وعلى مدى قرون، عبرت التفاوتات الغنية لتيار القراءة- مثلما نتناول الطعام - قناعة بأن أختلاف أنواع القراءة يُعد شيئًا مهمًا، وهذا الإقتناع سيخدمنا بشكل جيد في عالمنا المحفوف بالمعلومات. "مجرد القراءة" ليس شيئًا جيّدًا بما فيه الكافية: نحن بحاجة إلى إحياء تنوع القراءة. لغة الهضم تشجع على القراءة البطيئة (بمحاذات خط الوجبات المتأنية*). ويذكرنا بأن نتجاوز الإنحناء على الصفحات وننتبه أكثر للطرق الدقيقة التي وضع فيها المبدعون هذه النصوص، أن نفكر قبل أن نباشر الصفحات بنهم. 

 

هامش: "الواجبات المتأنية ترجمة لـ Slow Food وهي جمعية أمريكية، تركز على تقديم الوجبات التقليدية المعدة بإستخدام المحاصيل المحلية.

* مراجعة علي الضويلع

 رابط المقال